1. مرحباً بك عزيزي الزائر في منتديات صقر البحرين
    يشرفنا أن تقوم بالتسجيل معنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى.
    إذا كنت عضواً بالمنتدى فقم بتسجيل دخولك أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.
  1. صفوانيه
    Offline

    صفوانيه عضو فنان

    1,930
    3
    0
    إنضم إلينا في:‏11 مايو 2007
    الوظيفة:
    طالبة
    الإقامة:
    صفوى

    زوجي من برج الثور.

    الموضوع في 'القصص والروايات' بواسطة صفوانيه, بتاريخ ‏8 يناير 2008.


    زوجي من برج الثور
    اسم الزاوية : (( بيني وبينك حكاية ))

    بسم الله الرحمن الرحيم

    قال تعالى: ((ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)) (الروم/21).

    مقدمة الزاوية:

    بين الزوجين.. حبل موصول برحمة إلهية، مسكون بدفء فطري، احتياج غريزي، تناغم عاطفي، انتماء. قد يختلفان، يتباعدان، يتخاصمان، لكنهما برحمة الله ولطفه يعودان. هكذا كتب القدر الإلهي: توأمة خالدة، ذكر وأنثى، بهما ((يعتمر)) الكون.. لهما في كل حكاية موقف، ولنا في كل موقف عبرة.


    زوجي من برج الثور

    بقلم: خولة القزويني




    لم أكن يوما مؤمنة بالأبراج والفلك أو حتى قراءاتها بشكل عابر لكن الصدفة هي التي دفعتني إلى شراء كتاب من هذا النوع لقراءته من باب الفضول والاكتشاف ليس إلا.

    كنا في المكتب وإذا بإحدى الزميلات تقرأ طالعها بفكاهة محببة والتفتت إلينا تسأل عن أبراجنا كي تقرأ لنا طالعنا اليومي من الصحيفة وتجاذبنا أطراف هذا الحديث باستطراد جميل.

    كانت (ميس) ضليعة في هذا العلم حتى القدرة على تحليل الشخصية بدقة متناهية بمجرد أن تصف شخصا ما تدلك على برجه دون البحث في تاريخ الميلاد.

    تذكرت زوجي((جليل)) وخناقة الأمس التي أدخلتني في نفق مظلم لا نهاية له، قلت له أثناء تناولنا العشاء أن بيتنا قديم وأحتاج إلى ترميم الواجهة وأنا على استعداد لاقتراض مبلغ من البنك إن كانت نقودك قاصرة عن تلبية هذه المهمة،فاجأني بنظرة حادة اقتلعتني من جذوري دون أن ينبس بحرف،وعدت أقول له بلين ((إن واجهة البيت غدت متآكلة)) وعاد ليرمقني بنظرة غضبى قائلا:

    ((أعتقد أنني سأفعل ذلك دون الحاجة إلى مساعدتك)).

    وبحسن نية قلت

    ((ولم تنتظر؟))

    استطرد:

    ((ولم تقترضين؟))

    هنا خرجت عن حالة الهدوء

    ((لأني انتظرت سنة كاملة دون مبادرة منك)).

    ((وهل من الضروري أعلن لك عن خططي)).

    اندهشت:

    ((ولم لا، ألست زوجتك، وأظنني صاحبة شخصية وقرار أدرك هذه الأمور وأستوعبها،لست امرأة من عصر الحريم كي تصادر إرادتي بهذا الشكل)).

    انبرى يقول وهو يشعل سيجارته

    ((اقفلي على هذه السيرة))

    ثارت ثائرتي

    ((لن أفعل،وأظن أنني قد ضجرت من أسلوبك المتعنت هذا وفظاظتك البغيضة)).

    هب واقفا واجهة البيت كما هي حتى آخر الدهر)).

    ونام كل منا في حجرة منفصلة حتى استيقظت هذا الصباح وقد امتص السهد رونقي،محبطة،منزعجة،ناضبة الحيوية أعددت فطورا سريعا وغادرت البيت مثقلة بالهم والمرارة.

    أطرقت مصغية إلى ميس وهي تصف إحدى الشخصيات في معرض حديثها عن الأبراج ((عنيد، متصلب في قراراته، متشبث في رأيه،صموت، هادئ.

    سألتها مدهوشة

    ((أي برج تشمل هذه الصفات؟))

    قالت وابتسامتها العذبة لم تفارق شفتيها))

    ((الثور!))

    وحدست أن زوجي من برج الثور أمسكت عن الحديث لفترة وكأني شاردة في أفق خاص بي أعيش أعماق شخصيته الصعبة كما لو كان من كوكب آخر،وكان الباعث على ذلك إحساسي بالغبن والإذلال وأنا أقمع بإرادته المتسلطة وقراراته المستبدة لم يحاول أن يكسر عنفواني ويذيب شخصيتي ويلغيها فكرامتي كانسانة تأبى على الانصياع الأعمى لقراراته دون تفكير ومحاورة،نسي أن لي تاريخ طويل يشهد نجاحات مبهرة، في الثانوية كنت رئيسة مجلس الطالبات وفي الجامعة عضوة ناشطة في القائمة الوطنية،واليوم مرشحة لرئاسة القسم تزوجني وهو مدرك أن لي استقلالية وإرادة حرة،لكنه بحكم منطقه الذكوري وعقليته الشرقية يعتقد أن النساء جواري خلقن لجل غاية واحدة أستطيع أن أختصرها بكلمة((خضوع)) أن تبقى الأنثى خاضعة كي يمارس عليها طغيانه الرجولي الساحق، تطرف أقرب إلي حياة الجاهلية الأولى، كم شعرت أنه له رغبة دفينة في كسر معنوياتي متخذا سياسة ((خالف تعرف)) حاولت أن أتوافق معه بلين وحنان بيد أنه يختبئ في عقلية متحجرة عندما أخرج لأي طارئ يثير خناقة متذرعا بأتفه الأسباب وأعتقد أن القصد من إثارة زوبعة كهذه إبراز عضلاته كرجل مدعيا أنني عاصية بحكم الشرع،أخرج دون علمه، أفعل كل شي دون استئذانه أنفعل بشدة وإذا بهرمون ذكوري يغلي في دمي ويدفعني إلى مشاكسته بعناد وتحدي حصون منيعة لا تخترق فيتضور بدافع اقتحام وأتشبث عنادا فإذا بنا داخل حلبة صداع قد نأينا بنفسينا عن كل حوار عقلاني.

    يصرخ:

    ((أنا الرجل وكلمتي هي النافذة)).

    صدقوني لو قلت لكم أني دخلت دورات كثيرة ومتعددة لأتعلم مهارة الحوار وإيجابيته الاتصال من أجل ترويض هذا الكائن العنيد ورغم كل هذه المحاولات شعرت بالخيبة والإحباط.وعدت ثانية لأقرأ في كتب الأبراج وعلم الطاقة والتوافقات والتلاؤمات لعلي أقف على حالته المستعصية وأكتشف الدواء الناجح، تركت نفسي أغوص في أوهام تغذيها المرارة والألم، صارحته أحد الأيام

    ((أنت لا تحبني يا جليل، صارت حياتنا أشبه بتحديات مستمرة )).

    قال ساخرا:

    ((وتعترفين أنها تحديات))

    انطلق لساني كالرشاش:

    ((أنت متجبر وطاغي حرمتني من طعم الحنان، من مشاعر تحتاجها كل أنثى))

    وبرر

    ((تستفزيني بعنف وتطالبين بعاطفة))

    دافعت عن موقفي:

    ((أنا؟أنا أستفزك؟ صرت الآن متهمة بعد أن طعنتني بشخصي وكرامتي)).

    هرب كعادته

    ((أرجوك كفي عن كلمات زائفة وشعارات سخيفة تتحدثين معي وكأننا فريقان متخاصمان))

    أحسست أنه خضع بعض الشئ فاغتربت منه أغويه بدفء عاطفتي

    ((إذن دعنا نذيب هذا الجليد ونكسر الحاجز)).

    استراح وجهه المتشنج فأسفر عن ابتسامة مغرية حتى نبرته المشروخة بدت مغمسة بحنان ندي، اشتقت لمعانقته مرات قليلة تستريح فيها نوازعنا الحادة على مرفأ الحب، عندما أتحرر من عقلية مقفلة بثقافة عصرية تجعلني أعيش معه حالة الندية، الآن تجذبني ذبذباته العنيفة فتسترخي كل أركاني وتلين فأنضوي تحت جناحيه بانخفاض لذيذ وبانسيابية الجذب المغناطيسي أكتشف ذاتي بشكل مختلف وفي غربلة الانفعال أتذكر وجهه المستهام وعيناه المبتهلتين ودفء صوته يحتويني بشغف من تقمص لهفة عاشق، بعد انجلاء العتمة ينبلج الصبح عن شخصية جمعت شتاتها المبعثر على شواطئ العاطفة متراخية في استسلام من فترها الشوق وأشعل فيه الوهج بارحته ونحن نتناول إفطارا ملكيا أجهزه بنفسي عندما أكون قد غرفت من معين العاطفة ما تسترخي فيه أعصابي.

    ألمس فيوضات الاسترخاء والرضا تستريح على وجهك فبدوت آية في الروعة.

    ابتسم وهو يتناول فطوره بنهم.

    ثم تابعت والكلمات تتعثر في حلقي.

    سألني

    ((ما بك هات ما عندك فأنا مستعد لسماعك))

    ((سأشارك في مؤتمر ثقافي خارج البلد)).

    حدق بي طويلا وهو صامت

    واصلت وأنا أحيل عن ناظريه خشية الاصطدام غير المحبب

    ((إنني مبعوثة من قبل الإدارة ولا بد من تنفيذ هذه المهمة))

    قال وهو مازال متماسك

    ((وافقت طبعا!))

    بلعت ريقي كالمتهم الذي ينتظر الحكم

    ((أمر بديهي))

    وبتهكم:

    ((وأنا من أكون؟من الافتراضات التي تنتفي بالآخر ؟!!

    هدأت من روعه

    ((ها أنا جئت لأصارحك))

    استطرد حانقا:

    ((أتعرفين أن هذه الأشياء الصغيرة التي تستهينين بأهميتها هي في اعتقادي ميزان لعواطفك ومقياس لاحترامك لي:

    حاولت أن أبدو ودودة

    لكني أسعى إلى تفهمك

    صرخ

    ((تأنفين استئذاني وتتخذين قرارك منفردة))

    أطرقت محرجة ودافعت عن نفسي

    ((اعتقدت أنك ستوافق ضمنا))

    وتفاجئت برده

    ((لا..لست موافق))

    غمرني إحساس بالخيبة والخذلان تركت المائدة وأن أبكي ثائرة:

    ((إنها مسألة عند ليس إلا))

    رق قلبه فعاد يبرر:

    ((كيف أدعك تسافرين لوحدك،اعتذري فلا أظنه أمرا هاما)).

    ((إذن رافقني إن كان هذا عذرك))

    ((أنا مشغول هذه الفترة))

    اجتاحتني حالة من الهستيريا أشبه بالتمرد اكتسح كل مل في داخلي من قيم والتزام فهتفت مصرة.

    ((سأسافر شئت أم أبيت لأن كل مبرراتك واهية وحججك عقيمة)).

    استشاط غيظاً حتى احمرت عيناه وهو يحدق بي متحفزاً لمواجهة أعنف.

    ((لا تكسري كلامي وإلا ندمت!))

    حزمت حقائبي وسافرت مع فريق العمل إلى لندن وكانت رحلة شاقة مشحونة بالقلق، إذ رفض مرافقتي إلى المطار وبتنا ليلتها متباعدان، متنافران، حاولت استدرار عطفه لكنه تحصن بعرينه وحجب عن قلبه كل موجات عواطفي ومحاولاتي المستميتة لإرضائه وقد بيت النية على الخصام وبتر كل بوادر الصلح، طلبت منه مراراً أن يتفهم موقفي بيد أنه قد أوغل في القسوة والعند.

    وفي لندن كنت كالجمرة أتأجج قلقاً واحتراقاً، لم يعهدني فريق العمل بهذا الاضطراب، أتابع النقاش وأنا شاردة، أترقب بعينين مرتبكتين هاتفي الجوال علّه يؤنسني برنين حميم يأتيني كيقظة حلم لمشاعر انتفضت من رقدتها الباردة، ظننت أن البعد قد يذكي أشواقه من جديد فيعود لي نام مستغفر، فكل محاولات اتصالاتي به ردت على أعقابها خاسئة مدحورة، هاتفه مغلق، كنت أعاني في بعده وأعتقد أنه يمارس عليّ طقوس العقاب العاطفي كي أخضع له وألين، وكيف يمكنني أن أخرج من دائرة الكبت وهو يطوقني بحزام من نار، نار الصد والغيرة والعند، ليته يبحث لي عن مخرج بسيط أستطيع من خلاله أن أتسلل إلى خارج الدائرة فأبصر المسلك الطيب الذي يرضيه فتراني أقف مغتاظة منه، مقهورة، ألعن الساعة التي جمعتني به أقارنه برجال الأخريات من الأهل والصديقات فأجده الأكثر جفافاً وغلظة، أتعبني إهماله، أرهقني تجاهله، ألست زوجته ألا أستحق ونحن متباعدان اتصال عارض كباعث للاطمئنان عليّ لِمَ كل هذا الإجحاف والاستبداد؟!

    عدت من لندن بعد عشرة أيام عجاف، ذابلة، مهشمة الروح في داخلي جرح عميق وشر مستطير، كل الوفد كان في انتظاره من كان من الأحبة وأنا أتلفت وحيدة دون عزيز أو حبيب، تكتمت على مشكلتي فلم يعرف أهلي حقيقة أمري وسر علاقتي، لأنها إهانة لشخصي أن يعرفوا هذه المرأة الناجحة وقد فشلت في احتواء زوجها لا أحبذ أن يشيع الناس عني هذا النقص في حياتي فآليت على نفسي أن أجاهد كي أرمم الخدوش، أخذت تاكسي متجهة إلى بيتي باردة الأشواق، فاترة الحنين، تأكلني نيران الغيظ المشتعلة.

    دخلت البيت فوجدته جالساً على مكتبه يعبث كعادته (بجهاز اللاب توب) منصرف بعقله إلى متابعة المواقع الإلكترونية، لم يلتفت إليّ قط أو حتى ينهض ليجاملني بتحية ليس بالضرورة حميمية أو بالحجم الذي يبعثه فينا الفراق تقت إلى إشارة تحسسني بأدنى مراتب الاهتمام، تجاهلني تماماً وكأن وجودي من عدمه سواء، لكني ألقيت سلامي الجاف بنبرة حادة ووجه متجهم فلم يرد كأنه التمثال الأصم، تنقلت في دور المنزل متوترة منفعلة، لمحت عن بعد خادمة جديدة تقف في المطبخ سألتها وأنا مرتابة من وقفتها المتلاشية ولباسها المهلهل بفوضوية مثيرة جعلت من جسدها مطمع للناظر وعرفت أنها فلبينية اسمها ((مارلين)) قد أتت قبل يومين في غضب قلت لها وأنا أضع ثوباً على طاولة المطبخ قد كان معلقاً على جدار المطبخ تركته خادمتي السابقة.

    ((اخلعي ملابسك هذه وارتدي (اليونيفورم)، لا تعجبني هذه الثياب.

    عدت إلى ((جليل)) بد أن مزقت أغلال صمتي وفجرت براكين حنقي.

    ((أين سانيا؟))

    ودون أن يرفع عينيه عن الجهاز رد باقتضاب: ((هربت من البيت ولا أعرف عنها أي شيء وهذه الخادمة مرتجعة استخدمتها للضرورة.

    ووجدتني أبرر بكلام طائش.

    ((يفترض أن تذهب إلى والدتك لتناول الطعام في غيابي)).

    استنكر ساخراً:

    ((أظن أنا من أقرر أين أتناول طعامي ولا أحتاج إلى وصايتك)).

    جاءت مارلين تخاطبه بعد أن رصت أطباق الطعام على الطاولة وبلين ورقّة تخاطبه:

    ((سيدي طعامك جاهر)).

    انكشف عن وجهه العابس ابتسامة مشرقة قد فارقتني منذ زمن وباحترام وحنان أفتقد حرارتهما في حياتي معه يجاذبها بمعاملة لينة ورفق حميم.

    ((أشكرك مارلين، هل تناولت غداءك؟))

    أطرقت وهي تفتعل الخضوع المحبب إلى نفسه.

    ((سأفعل سيدي، هل تأمرني بشيء الآن؟))

    وبنظرة ممتنة يشع منها بريق العطف رد:

    ((كل الشكر لك عزيزتي)).

    شعرت وأنا واقفة أن ا لدماء تتجمد في عروقي وأنه قد صفعني صفعة ساخنة وإهانة جارحة في صميم كرامتي، فقلت له ساخرة:

    ((ما هذا الدلال والنعيم الذي تغدقه على خادمة منحطة؟)).

    وقال كمن يسدد سهماً إلى قلبي:

    ((لأنها تحترمني وتخاطبني بأدب من تعجز عنه مثقفة قد زينت حجرتها بالشهادات والدروع وتتكبر على خلق الله بعجرفة سخيفة)).

    حاولت أن أشتت غضبي فلم استطع وقد خانني التعبير: ((قل إنك تغارمني لأني حصدت كل شهادات التقدير، اكشف عن طويتك؟))

    ابتسم بمرارة:

    ((نعم بالضبط، تلك هي النتيجة التي وصلت إليها في النهاية!))

    ضاق صدري وأحسست أني بحاجة إلى من يسمعني ويكشف غمي، وقتها شعرت أن الجدران حولي تتحالف لتكبت أنفاسي وتكبل لساني، أحتاج أن أستنشق هواءاً نقياً، ما عدت أطيق جليل، ما عدت أحتمل وجود هذه الخادمة وهي تتردد بين ردهات المنزل متجاهلة وجودي، تتصرف كما لو كانت سيدة هذا البيت تغاديه، تراوحه، تعد له العصير والتوست المحمص والجبن وتقف كجارية بين كفي سلطان مدلل، وأنا أغلي من الغيظ لأنه منفتح معها بشكل مريب، لا يتحفظ أن يطلب منها أدق الأشياء وهي تلبي بإحساس من تمكنت من قلبه وعرفت أن لها الحظوة في نفسه.

    اتصلت بصديقتي ((ميس)) لنخرج نتنزه في إحدى المقاهي ولأفضي لها مشكلتي وأسرب عن حزني، فقد بان عليّ الاضطراب في تصرفاتي وخرجت عن طور شخصيتي الهادئة المتحفظة، وأعتقد أن المرأة تحت الضغط تتحول إلى غربال من الجحيم يضطرم حتى ينفجر، وفي إحدى المقاهي المطلة على البحر جلست مع ميس وأنا في حال كئيب، كشافتها بكل ما ينتهبني من وساوس وبأسلوبها الرقيق وروحها المرحة أردفت.

    ((قلت لك أن الثور عنيد يحتاج إلى ترويض، فهو يبحث عن الأنثى الفطرية والمرأة التقليدية التي تحيطه بحنانها وعاطفتها وإلا لن تستطيعي التصدي لقرنيه الحادين.

    بانزعاج هتفت:

    ((ليس هذا وقت الهزار يا ميس، أرجوك فمزاجي مكفهر وروحي منطفئة، خذي أمري بجدية)).

    وأنا أثق ((بميس)) وحكمتها ورجاحة عقلها فلها أسلوب مقنع قادر أن يلين أقصى الرجال رغم أني رئيستها في القسم ألجأ إليها دائماً وأعتمد على حلولها الصينة فهي تحرر باب القلوب في مجلة أسبوعية، حتى المدير يضع لها مكانة مختلفة عن باقي الموظفات لأنها فرضت شخصيتها بتهذيبها وكياستها فاستنار الجميع بسراج روحها الدافئة.

    انبرت ميس تواصل معي الحوار:

    ((أنا جادة في كلامي يا غالية ولا أقصد برج الثور إلا مجازاً، فالرجل عموماً يحتاج أن ترق معه المرأة حتى وإن كانت رئيسة دولة، اخلعي ثوب وقارك فور دخولك البيت وتعاطي معه معاملة لينة، رطبة، هنية، بخضوع جميل، واضح أن زوجك صبور متمكن له نفس طويل لا يكل ولا يمل من المشاكسة، وها أنت قد جزعت وتعبت، تتحدين وتخسرين فهو الأقدر وهو الأقوى هكذا هم الرجال بتكوينهم الهرموني لا يتغيرون نحن النساء من نغير أشرعتهم في المسار ا لذي نريده حينما نوجه قلوبهم بأسلوبنا اللطيف وفنوننا البارعة فينجذبون إلينا وفقاً لطريقة معاملتنا لهم، هذه الخادمة الجاهلة أعتقد أنها ذكية، وماهرة عرفت كيف تستميله مشغلة دهاءها وفطرتها وتصلب موقفك ترك لها الملعب شاغراً وبقيت مشوشة التفكير تضغطين عليه بينما هو يشد ويبعد عنك فلم تصلا إلى نقطة التقاء أبداً.

    ((يعني المزيد من التنازلات أظنه سيسحقني تحت قدميه!)).

    صرخت ميس مستنكرة:

    ((خطأ، خطأ ما تعتقدين، تذكري يوم كنا طالبات في المدرسة قرأت علينا معلمة اللغة العربية وصية الإعرابية لابنتها في ليلة زفافها قائلة من ضمن الوصايا كوني لزوجك أمة يكن لك عبداً وشيكاً)).

    استهجنت الأمر

    ((فليخسأ، أيعقل هذا؟))

    نفذ صبر ميس.

    ((لكنه سيكون لك عبداً))

    ((هذه نظريات أكل عليها الدهر وشرب)).

    وواصلت في استطراد وحماس

    ((هل تذكرين قصة شهرزاد في ألف ليلة وليلة؟))

    ((نعم))

    ((أتعلمين أن وراء هذه القصة الخرافية مغزى))

    تنبهت

    ((وما هو؟))

    ((إن المرأة بحكمتها ودهاءها تأخذ عقل وقلب الرجل، كان لشهريار الملك عقدة من النساء بسبب الخيانة المريرة فانتقم من كل أنثى في المملكة إذ كان يتزوج أجمل فتاة لليلة واحدة ثم يقطع رأسها في صباح اليوم التالي، ضجت المملكة من هذا الرعب حتى أدركت شهرزاد بفطنتها وذكاءها كيف تفك هذه العقدة وتخلص الشعب من هذا الظلم بزوجته وشغلته بقصص ألف ليلة وليلة وبتسويق عاطفي واستدراج حكيم كما لو كان تحت تأثير منوم مغناطيسي.

    ملكت مع هذا الرجل المستبد طريق النجاة.

    أطرقت صامتة

    وتابعت ميس

    ((إن المرأة بطبيعتها ذات دهاء فطري، تتفنن في ابتكار الحيل البسيطة لاستمالة زوجها، هل سمعت هذه الحكاية؟))

    رفعت بصري بانشداه متسائلة:

    ((أية حكاية؟))

    قالت:

    ((يروى أن امرأة اشتكت لأحد الصالحين كثرة المشاكل في حياتها وتفاقم المشاحنات والنكد الذي يثيره زوجها فانقلبت حياتها إلى جحيم.

    قال لها الرجل الصالح: سأساعدك شريطة أن تأتيني ثلاث شعرات من رأس الأسد، فقامت المرأة من عنده وأخذت لحماً وطعاماً وذهبت إلى قفص الأسود حتى إذا اقترب منها الأسد ألقت إليه الطعام واللحم في اليوم التالي فعلت نفس الفعل وظلت كذلك حتى ألفها الأسد وفي ذات يوم ربتت على رأسه فأمن لها وانتزعت الشعرات الثلاث من رأسه وذهبت إلى الرجل الصالح وقالت: هذه هي الشعرات الثلاث، فقال لها: أومن رأس الأسد؟ قالت: نعم، فقال عجباً لك أجدت ترويض الأسد ولم تجيدي ترويض زوجك؟))

    صمتت ميس هنيهة ثم واصلت:

    أعتقد أنك بحاجة إلى معرفة مفتاح قلبه لتتوغلي إلى أعماقه وتغوصي في مجاهيله.

    تركت نفسي على سجيتها تبوح بكل منغصاتها لميس فقلت:

    ((هل تصدقين أني بدأت أغار من الخادمة، إنها تحظى باهتمامه)).

    أطلقت ميس لتفكيرها العنان وكأنها تذكر شيئاً وعادت لتقول: ((لا تستبعدي ذلك فالرجال ذائقة غريبة أحياناً تجتاحهم حالة من السأم والملل فيبحثون عن مغامرة غريبة حتى لو كانت خادمة)).

    فاض الرعب من عينيّ المحملقتين صحت في تأثر:

    ((لِمَ تلقين الشك في قلبي؟))

    قالت مصرة:

    ((بل لأنبهك إلى خطر قادم)).

    نهضت من فوري كمن صعقني كهربائي ووجدتني أتخبط في لجة الأفكار الموسوسة، كان في داخلي تحدي كبير أن أحتوي هذا الخلل في حياتي لتكتمل صورتي الناجحة ولتتألق هذه الهالة التي أسبغت عليّ مهابة ووقار، لست مستعدة أن أكون زوجة فاشلة أو مطلقة أو ضرّة لأخرى إنه امتهان لكرامتي وجرح لأنوثتي والأنكى من كل هذا أن أكون في موضع منافسة مع خادمة!.

    وسألت نفسي هل يمكنني تغييره؟!

    أعتقد أن هذا ضرب من ضروب المستحيل، لذا ينبغي أن أتغيّر أنا وأعيد ترتيب حياتي بشكل أعطيه الأولوية والاهتمام، فهذه السياسة الجافة تحتاج إلى بعض الرذاذ العاطفي.

    خرجت من السيارة متجهة إلى البيت، صادفته جالساً يشاهد فيلماً أجنبياً وقد جلست مارلين خلف كنبته تشاركه المشاهدة الممتعة، كدت أتمزق من الغيظ، حدجتها بنظرة حاقدة.

    ((اذهبي إلى المطبخ!)).

    انسحبت كالفأرة الذليلة، سمعته يردد.

    ((لم تشخطين بها، ألا تكفي عن عجرفتك، إنها مسكينة، إنسانة من لحم ودم)).

    تمالكت أعصابي لأني قررت بدءاً من هذه الليلة تغيير سياستي وتعديل أسلوبي في معاملته.

    لانت نبرتي، اقتربت منه.

    ((هل تحب أن أصنع لك القهوة؟))

    باقتضاب رد.

    ((شربت)).

    ((إذن أدعك لتشاهد الفيلم لأني سأنشغل بعمل آخر)).

    جلست على مكتبي وأخرجت ورقة وقلماً لأكتب له رسالة قلت له فيها.

    حبيبي جليل:

    ((ستظل حبيبي مهما جفيت أو قسوت، حبك هو زادي، طعامي سعادتي، افعل بي ما تشاء، ستجد دائماً قلبي محلاً للصفح والغفران، تأكد أني أحبك ولن أتردد في ترديدها ما حييت، حبي هو الحقيقة الثابتة التي لا تقبل الشك والجدل، لكن تبقى الهفوات والسقطات تنغص عينا حبنا وسعادتنا، أريدك أن تصارحني بكل ما تحبه فيّ ولك ما تبغضه لأني قررت أن أسعدك وأعمل على راحتك، دعني أصارحك رغم كل هذه السنين إني لم أفهمك جيداً، كلما حاولت الاقتراب منك تبتعد حتى أحسب أني مخطئة في تشخيص مزاجك، لكني رغم كل هذا وذاك أحبك كاملاً بحسانتك وعيوبك، ثمة أشياء تقف عائقاً أمامي وتصد كل محاولاتي في الانصهار العاطفي الحميم، سأكتبها لك باللون الأحمر ربما تتذكرها دوماً وتفهم أنها تشكل شيئاً تعجيزياً لي منها:

    - صمتك، فلا أعرف ما في داخلك.

    - عنادك وتصلبك يشل محاولاتي ويرهق أعصابي.

    - برودك العاطفي.

    - مراقبتك لأخطائي الصغيرة التي لا أقصدها.

    ولولا هذه الأشواك التي تجرح حبنا لكنا أسعد زوجين عرفهما التاريخ!

    دعني أبدأ معك صفحة جديدة ومشوار جديد، غداً هو عيد ميلادك السعيد وقد أعددت لك حفلة صغيرة داخل البيت وأمسية رومانسية نتصارح فيها ونعبّر عن كل خلجاتنا ومخاوفنا وأشواقنا)).

    وسلمت لي حبيباً للأبد

    زوجتك غالية

    قرأت الرسالة مراراً لأستوثق من كل حرف وكلمة وقبلتها بأحمر الشفاه لتطبع شفتي بشكل مثير وعطرتها برذاذ عطر الأوركانزا الذي يحبه ويرفض استبداله بأي عطر جديد، وضعتها في مظروف بلون الورد.

    وخبأتها في جيب دشداشته.

    صدقوني شعرت أن في داخلي جليد يذوب وأن شيء أشبه بتيار دافئ يسري في عروقي ونبض مفعم بالانشراح يدق في قلبي نغمة جديدة تصدح في جنبات روحي المنطفئة فتضيء فيها إحساساً متدفقاً بالسعادة، شيء مختلف جعل من ماكنة جسدي تتكهرب فتهتز وتنبت من جديد سنابل حياة، مشاعر حارة استيقظت من رقدة هامدة، صعقة أحيتني من موات كريه، ربما كانت مشاعري كامنة، ساكنة معتلة بهموم الحياة، دفينة تحت رواسب العمل وضغوطاته، كانت هي الباعث على هذا الجفاف، اشتقت إليه، لكني لن أسابق الأحداث وأحرق جمال المفاجأة.

    غداً سيكون المنعطف الكبير لحياتنا معاً.

    وأنا في مكتبي جاءني منه ((مسج)) أوقد جمرة الحب بعذب كلماته.

    ((قرأت رسالتك وقبلت كل حرف لأني أحسست أنك كتبتيها بنبض قلبك، صدقيني في داخلي حمم شوق لم تبرد أبداً)).

    انشرح صدري وتألق وجهي بالبشر، لكزت ميس بكوعي وأنا أغمز لها بطرف عيني قائلة:

    ((لقد روضت الأسد)).

    عاد إلى البيت وهو يحمل باقة ورد كبيرة.

    صرخت مبتهجة ((اللون الأحمر!)).

    قال لي: أعرف أنك تحبين هذا اللون.

    قلت له: ليبقى الحب في كامل عنفوانه.

    قضينا هذا اليوم الجميل نلهو ونلعب ونتحدث كما لو كنا في شهر العسل، وجدته أليفاً، لطيفاً، حنوناً، يشع حيوية ونشاط، انقلب إلى عاشق متيم، وهذا الغم المقفل ثرثر إلى درجة خلت إنه لم تعد لي طاقة كافية للإصغاء له، فكل انهماره كان سيل محجوز داخل سد كبرياءه، مندهشة كيف للرجال قوة إرادة على تغيير جلدهم في لحظة.

    من يصدق هذا المخلوق الطري اللين الناعم هو نفسه ذلك الجبّار المتعنت، المستبد.

    سألته ونحن في غمرة التوهج:

    ((قل لي ما هو مفتاح قلبك السري؟))

    قال مازحاً

    ((افتح يا سم سم؟))

    ضربته بخفة على كتفه أستميله بنعومة.

    ((أرجوك حبيبي صارحني، لا أريد أن نقع في فخ الخصام ثانية)).

    استعدل في جلسته وبدا جاداً في حديثه:

    ((لست رجل صعب كما تظنين، فأنا بسيط إلى أقصى درجة الكلمة الحنونة تأسرني والعاطفة تلين قلبي، أحسست لفترة ما أنني أحبك بحرارة وأتودد لك باهتمام لكن معرضة، جافة، نشاطك وأعمالك تستحوذ على اهتمامك فجف لسانك وخفت نبضك وفترت عواطف، فإذا بمشاعري تتجمد وإحساسي يخبو، كان في داخلي رغبة شديدة في إغاظتك ومشاكستك، حقدت على كل أعمالك وحياتك التي أخذتك مني)).

    صدقوني..

    لم أدافع عن نفسي أو أبرر، فكل ما كان يهمني في هذه اللحظة استفراغ الكم الهائل من شحنات الغضب الرابضة في صدره.

    كثير منا يعتقد أن شريكه مخلوق مجسد من العيوب وهو في الحقيقة انعكاس لأعماقنا الداخلية، فما أحسست به صلباً أو قاسياً إلا لأني كنت كذلك في واقع نفسي.

    بعد ليلة حافلة، ويوم كرنفالي بهيج رقدنا نتهامس على وسادتنا وقبل أن يستسلم جليل للنوم سألته بفكاهة.

    ((جليل، ما هو برجك؟))

    فكّر هنيهة ثم أردف:

    ((لا أعرف بالضبط!)).

    قلت:

    ((أعتقد الثور))

    قطب جبينه

    ((ماذا تقصدين؟))

    ((تاريخ ميلادك يثبت ذلك))

    ((لا إنه تاريخ غير صحيح قد سجله والدي افتراضاً)).

    وهنا أدركت سخافتي وسطحية أفكاري فلابد أن نعود إلى أنفسنا، وذواتنا وحياتنا ونقيمها بشكل منطقي وعقلاني كي نسيطر على زمام الأمور وبشكل لا يسمح للسعادة أن تتسرب من عشنا السعيد.

    همسة:

    ((ضعف المرأة له لذة رهيبة في قلب الرجل فهو ذاته من يرفعه إلى الرفق بها والتلطف معها)).


     
    جاري تحميل الصفحة...
    :
    آخر تعديل: ‏8 يناير 2008
جاري تحميل الصفحة...

مشاركة هذه الصفحة