1. مرحباً بك عزيزي الزائر في منتديات صقر البحرين
    يشرفنا أن تقوم بالتسجيل معنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى.
    إذا كنت عضواً بالمنتدى فقم بتسجيل دخولك أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.
  1. الغضبان
    Offline

    الغضبان عضو مشارك

    463
    0
    0
    إنضم إلينا في:‏13 ديسمبر 2007

    على بوابة الوحي ... للشيخ عائض القرني

    الموضوع في 'المنتدى الإسلامي' بواسطة الغضبان, بتاريخ ‏11 يناير 2008.

    المعجزة الخالدة

    المقدمة :
    أحمدك يا رب حمد مقر بربوبيتك ، معترف بألوهيتك ، متعبد بأسمائك ، أنت الأول فليس قبلك شئ ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شئ ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، وأنت الحي القيوم الذي لا يموت والإنس والجن يموتون ، أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد . وأشهد أن محمد عبدك ورسولك وصفيك وخليلك ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .
    أما بعد ، فإن القرآن هو معجزة محمد عليه الصلاة والسلام التي بعث بها ، وهي معجزة دائمة باقية دوام الإسلام وبقاء الحق .
    والقرآن أسمى وأجل من أن يمدحه بشر ؛ لأنه كلام رب البشر ، وأعلى وأعظم من أن يثني عليه مخلوق ؛ لأنه تنزيل من الخالق ، وإن أحسن الأوقات وأسعد اللحظات حين يعيش العبد مع آياته البينات تاليا متدبرا خاشعا .
    وقد أحسن علماء الأمة في تفسير كتاب الله ، فمنهم من قصد اللغة في القرآن فشرح اللفظ وبسط القول فيه ، ومنهم من قصد الآثار وما ورد في الآية من أحاديث وأخبار فجمع وأوعى ، ومنهم من أراد مقاصد الكلام وفقه كتاب الله فاستنبط من الآية ما فتح به الفتاح العليم

    والناس كل له مذهب في قراءته ومطالعته ؛ فما يعجب ذاك ؛ لأنه قد علم كل أناس مشربهم ، ثم أنهم لا يصبرون على طعام واحد ولا يدومون على حال واحدة ، فمهما كتب كاتب من القرآن وجد لما كتبه محبين ومعجبين ، وقد استعنت الله في كتابة ما أستطيعه من معان تظهر لي عند تلاوة كتابه لو لم أستفد من كتابتها إلا أنها كانت سببا لتدبيري القرآن والتأمل في حكمه ومواعظه وقصصه وأخباره وأحكامه وأمثاله لكان ذلك من أجل فائدة واحسن عائدة ، وقد حرصت على أن يكون ما كتبته وعظا لمن قرأه ولمن سمعه ، وتربية لمن طالعه وتأمله ، وجانبت الفنون التي ذكرها المفسرون في تفاسيرهم ؛ كالمسائل اللغوية والنحوية ، وفروع الفقه ، وجمع الآثار الوارد في الآية بل حاولت التسهيل والتقريب مع ربط أحوال الناس بالقرآن في كل أحوالهم وفي شؤون حياتهم ، وربما بسطت الكلام عن الآية كمعان ظهرت لي لا يجمل إغفالها .
    ولك أن تعتبر ما كتبته من التفسير الوعظي الأدبي التربوي الذي يعتمد على الأسلوب الخطابي ليكون صالحا إن شاء الله للخطيب على المنبر ، وللوعظ في محاضراته ، وللمعلم في دروسه ، ولعل من عنده أدنى باللغة العربية أو أثاره من علم يفهم ما أكتبه ويعي ما أمليه ؛ فالمقصود بهذا الكلام جمهور الناس وإنما كانت الشريعة في عمومها للغالب والجمهور وجانبت الغريب والشاذ من الأقوال وإيراد الخلاف في تفسير الآية وحشر أقوال المفسرين ، وكل هذا مفروغ منه فيما كتبته الأمة من قبل ، فنحن بحاجة إلى إلهاب العاطفة ، واستثارة الهمة ، ومخاطبة الوجدان في زمن غلبت فيه المادة والخلود إلى الأرض ، والتهافت على الشهوات ، والوقوع في المنهيات ، والعزوف عن العلم ، والإعراض عن الفقه في الدين ، فكان من المهم توجيه الرسائل الخطابية الوعظية التربوية ، وقد تكون في ثنايا التفسير او في غصون شروح الحديث ؛ لأن الأسلوب العلمي التقريري قد تم والحمد لله وكثرت كتبه وتعددت مصنفاته .
    وأسأل الله باسمه الأعظم الذي وأسأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب أن يقبله مني وأن ينفعني به ومن قرأه أو سمعه إن ربي على كل شيء قدير .


    (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ )

    ليس من مواهبه الشعر ولا من طبيعته ، وليس عنده وقت لتهوك الشعراء ووله الأدباء ، وليس لديه خيال شارد يقتص سوارح الأفكار ، بل جاء برسالة جليلة ووفد بوحي عظيم ، وأن محمد صلى الله عليه وسلم ليس شاعر يضرب الأخماس بالأسداس ، ويهيم في أودية الخيال ، بل هو نبي معصوم ، كل كلمة منه دين ، وكل جملة منه سنة ؛ لأنه جاء لإصلاح العالم ، وليس لدغدغة العواطف وملاعبة المشاعر كما يفعل الشعراء ، فليس عنده فراغ في العمر لنظم بنيات الأفكار ، ولا لإطراب الجمهور ، والحق مقصده ، والإصلاح أمنيته : (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ)
    ولم يكن صلى الله عليه وسلم شاعر ؛ لأن الشعر لا ينبني على الحقائق ، ولا يقوم على البرهان ، فالشعر مزيج من الخيال والهيام والغرام والوله والكذب والزيف ، وصان الله رسوله صلى الله عليه وسلم من ذلك .
    وما ينبغي لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يقول الشعر ، فما جاء لتسلية الناس ولا لمدح الملوك ، ووصف الديار والبكاء على الآثار ، بل أتي ـ بنفسي هو ـ لغسل الضمير من أوضار الشرك ، وتطهير الروح من دنس الوثينة ، وعمارة الكون بالإيمان ، فأنفاسه تعد ، وثواني عمره تحسب ؛ لأن مهمته لا تحمل التأخير فهو مبعوث من الخالق إلى الخلق برسالة محمدية عنوانها لا إله إلا الله محمد رسول الله . العاطفية والتسليات لهو تعطيل لهذه الرسالة عن أداء مهمتها وتفريغ لها من محتواها الجلي العامر .
    إن مع محمد صلى الله عليه وسلم ما هو أجمل من الشعر ، وأبهى من الأدب ، وأحسن من الحسن ، ألا هو هذا الكتاب الباهر المعجز الذي أسكت الشعراء ، وأفحم الأدباء ، وأذهل العلماء ، وحير العرب العرباء :
    إذا تغلغل فكر المرء في طرف
    من حسنه غرقت فيه خواطره


    (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)


    نحن نقص عليك فدع قصص غيرنا ، ولا تلفت إلى قصص سوانا ؛ لأن قصصنا هو الحق الصريح والعلم الصحيح ، قصص تسكب في النفس نهرا من النور ، وفي الضمير وابلا من الرشد ، قصص ليس كقصص البشر الذي يعتريه ضعف النقل ، أو شذوذ الغرابة ، أو جموح الخيال ، أو مخالفة المعهود ، ومناقضة سنة الكون .
    يروى في بعض الآثار أن الصحابة قالوا : يا رسول الله ، لو قصصت علينا ، فأنزل الله : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) وقالوا : لو حدثتنا فأنزل : (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيث) وقالوا : لو وعظتنا ، فأنزل : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) .
    إن في عالم المعرفة اليوم آلاف القصص بكل لغات البشر ، ولكنها عرضة للتحريف والتزييف والزيادة والنقص ، ثم إنها ليست قطعية في ثبوتها ولا دقيقة في نقلها مع ما يكتنفها من تهويل وتضخيم وتكلف وافتعال ، فبعضها لا حقيقة لها إلا في عقول مصنفيها ، وبعضها له أصل ولكنه أضيف إليه أضعافا مضاعفة من المبالغة حتى مسخ الأصل وشوه ، وبعضها ثابت لكن قدم بأسلوب فاتر وعرض بعرض مشلول .
    أما هذه القصة وأمثالها من قصص القرآن فيكفيها سموا وجلالا ورفعة أن الله هو الذي يقصها على عبده المصطفى وحبيبه المجتبى صلى الله عليه وسلم .
    وفي قوله : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ ) تنبيه على الاتجاه إلى مصدر المعرفة ومنبع الحقيقة ، والمسلم يتلقى علمه وثقافته من هذا الكتاب الجليل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خافه تنزيل من حكيم حميد . وما أدري كيف يصلح شأن أمة تستورد قصصها من مروجي المكر ، وساسة الخداع ، وسماسرة الرذيلة ، وكيف يهتدي جيلها وهو يطاله زبد تلك الأقلام الكافرة بربها ، العاقة لفطرتها ، المتنكرة لمبادئها ؟ ‍!
    ولن نقص عليك قصصا فحسب بل أحسن القصص ، ويرى بعض أهل العلم أن أحسن القصص هنا هي قصص القرآن كله ، فقصصه بالنسبة لعامة القصص أحسن قصص وأوثقها وأجملها وأكملها .
    ومن أهل العلم من قال : بل المقصود بأحسن القصص قصة يوسف ؛ لأنها مذكورة في السياق المقدم لها بهذا الاحتفال والتنبيه .
    وإن قصة يوسف أحسن قصة بالنسبة لما يماثلها في غرضها ومعناها ، بل كل قصة في القرآن أحسن وأجل من مثيلاتها في غير القرآن ، وقصة يوسف أحسن قصة ، لأن فيها مقاصد الهداية ومعاني الإصلاح وأسرار الفلاح ما يفوق الوصف .
    فقصص الناس إما قصة بطولية تهيج النفس الغضبية على الاعتداء وطلب الثأر وحب الانتقام بلا ضوابط ولا أصول ، وإما قصة غرامية تشعل الغريزة وتحرك كوامن الشهوة بلا رادع من تقوى ، ولا وازع من عفاف ، ولا حجاب من صيانة ، وإما قصة غابرة بلا ثقة من ناقل ، ولا اطمئنان إلى صدق ، ولا مراعاة للحقيقة .
    قصة يوسف فيها دروس تربوية ترتقي بالنفس في سلم الفضيلة ، وتصعد بالروح في معارج الكمال .
    في القصة كيف تكون خاتمة من آمن بالله ، وصدق معه ، وأخلص له ، وصبر على أمره ، ودعا إليه ، وجاهد في سبيله . وفي القصة نهاية المكر ، وعاقبة الكيد المحرم ، والحسد المؤذي ، وفيها انتظار الفرج وحسن الظن بالله ، والفأل الحسن والاستكانة إلى موعوده ، والرضا بأمره ، والسكون إلى اختياره ، والاطمئنان إلى جميل صنعه .
    وفيها جلال التقوى ، وجمال العفة ، وحسن مراقبة الله ، وإيثار طاعته والانتصار على النفس الأمارة بالهوى الجارف والشباب المجنح .
    في قصة يوسف رؤيا تفسر ، وأحلام تعبر النبي صلي الله عليه وسلم وأمثال تضرب ، وعظات تطرق ودروس تلقى .
    في القصة قميص يلطخ بدم ، وقميص يقد من دبر ، وقميص يلقى على الأعمى فيرتد بصيرا .
    في القصة رجل يتهم بامرأة ، ورجل يتهم بسرقة ، وذئب يتهم بقتل ، وفيها طفل يصارع الحياة ، وإخوة يغلبهم الحسد ، وأب يبرح به حب ابنه ، وبئر يلقى فيها غلام ، وقافلة تبيع العبيد ، وملك يغفل أمور القصر ، وامرأة يغفلها هواها ، وزنزانة تستقبل داعية ، وشيخ كبير يذهب البكاء ببصره ، وقافلة تعبر الصحراء لطلب المعاش ، وصواع الملك يختفي ، ومحاكمة وشهود ، ومفاجآت ليست في الحسبان .
    كل موقف يختم بحبكة ، وكل مشهد ينتهي بقفلة ، وكل رحلة فيها عبرة .
    وفي القصة آهات ودموع ، وتفجع وشكوى ، واتهامات وحقائق ، ومكائد ودسائس ، وإهباطات وانتصارات ، وفيها وحشة غائب ، وفرحة لقاء ، وحزن وفرقة ، وسرور اجتماع ، وإسمال فقر ، وهالة ملك ، ونفس أمارة ، ونفس مطمئنة ، نبوة وسلطان ، وحرية ورق ، ونساء وخدم ، حاشية ومستشارون ، وشباب وشيوخ ، بيع وشراء .
    قميص من عالم اللباس ، وامرأة في دنيا النساء ، وذئب وسبع بقرات في ارض الحيوان ، وصواع من قسم الأواني .
    طفل يقفده أهله ، ويكيده إخوانه ، ويبكيه أبوه ، ثم يباع في سوق الرقيق ، ثم يدخل الخدمة في القصر ، ثم يعيش النكبة في السجن ، ثم ينعم بالملك ، ثم يحضى بجمع الشمل وتمام الأمر وكمال الأمنية ، ثم يموت .
    المشاهد تلاحقك أينما اتجهت ، الصور تملأ ناظريك حيثما التفت ، يثب قلبك مع كل مشهد ، ويقفز مع كل حركة .


    (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)


    كل ما سبق توطئه وتمهيد للقصة ، وتهيئة لها ولفت انتباه قبل إيرادها وسردها .
    وتبدأ القصة الشائقة الماتعة الرائعة بلا حواش ثقيلة وبلا تفاصيل مملة .
    تبدأ ويوسف في عهد الصبا وسن الطفولة ، يستفيق ذات يوم من نومه وقد رأى رؤيا عجيبة ليقصها على أبيه النبي يعقوب عليه السلام .
    رأى يوسف أحد عشر نجما مع الشمس والقمر يسجدان له . وعرف يعقوب التأويل ؛ لأن النبوة في قلبه ، ولم يشرح ليوسف الرؤيا لمصلحة رءاها ، بل وجد أن الأهم من ذلك وصيته له بكتمها وعدم إفشائها وترك نشرها على إخواته ؛ لأنها سوف تثير عليه حسدا دفينا وعداوة متربصة وانتقاما مؤذيا .
    وفي الآية لطف الأب مع ابنه وحنانه عليه ، وتوجيهه إلى ما ينفعه ، وتحذيره عما يسوءه ، ونجابة يوسف وذكائه مع صغره ، وعرض الرؤيا على العالم إذا كانت من المبشرات ، وترك تفسير الرؤيا إذا كان في ذلك مصلحة ، وكتم السر إذا حصل بإفشائه ضرر وعليه الأثر : (( استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان ، فإن كل ذي نعمة محسود )) ، والحذر من الأقران ، وستر النعم إذا خشي من إظهارها عدوان عليها ، وأن الشمس والقمر والنجوم في المنام عظماء أو علماء أو زعماء ، وفيه تفسير الرؤيا قد تتأخر سنوات عديدة وأزمانا مديدة ثم تقع بإذن الله .
    وإنما قال رايتهم لي ساجدين ، بالجمع للعقلاء ، ولم يقل ساجدات ؛ لأنه لما نسب إليها السجود وهو وصف لمن يعقل ألحقها بالعقلاء وهذه رؤيا ليست عادية ، بل تنبئ عن مستقبل زاهر ليوسف ، وسوف يكون له مع التاريخ صولة ومع الدهر دولة ، ومع الأيام جولة ، سوف بصل إلى تحقيق هذه الرؤيا لكن عبر طريق ملؤه الشوك والضنى والمشقة والبلوى والدموع والشكوى والفراق والفجيعة والمكر والكيد والحبس والقيد والأذى والتشويه والامتحان والصبر كما قال أبو الطيب :
    جزى الله المسير إليك خيرا
    وإن ترك المطايا كالمزاد
    سوف تقع هذه الرؤيا كفلق الصبح ، ولكنها لن تقدم بين عشية وضحاها وعلى طبق من ذهب ، لأن المنازل العالية والمراتب الجليلة لا يوصل إليها إلا بجهود شاقة وتكاليف باهظة وتضحيات هائلة ؛ لأن السنة اقتضت ذلك والحكمة نصت على ذلك ليكون العطاء لذيذا ، والهبة غالية ، والثمن ضخما راقيا .
    لا يدرك المجد إلا سيد فطن
    بما يشق على السادات فعال
    لولا المشقة ساد الناس كلهم
    الجود يفقر والإقدام قتال
    وفي الوحي المقدس : (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) لا والله لا يصل واصل إلى الولاية الكبرى والسعادة العظمى والعبودية الحقة إلا بجهد مبذول ، وعرق مسفوح ، ودم مسفوك وعرض يمزقه الحسد ، وسمعه يشوهها الجناة ، وقلب يبلغ الحنجرة من التهديد والوعيد ، وكبد حرى تشوى على جمر الانتظار ، وقلب مفجوع بويلات المواقف ، وأهوال تشيب لها رؤوس الولدان ، وحتى يختطف النصر بجدارة ، ويؤخذ الكتاب بقوة ، وينال المجد بتضحية ، وتقطف الثمرة باستحقاق ، وتعطى الجائزة بتأهيل ، فآدم يأكل الشجرة ويهبط ويندم ويتوب وينكسر ثم يجتبى ويعلو ويكرم ، ونوح ينوح من عقوق الابن ، وشقاق المرأة ، ومحاربة قومه ، وموسى يتجرع الغصص ، ويقف تلك المواقف التي يهتز لها الكيان ويرتجف من هولها الجنان مع تهم وإيذاء ، وصد ومنازلة ، وحروب وإعراض وإرجاف .
    وإبراهيم يعيش حياته جهادا في سبيل الله مع تكذيب والده ، والأمر بذبح ابنه ، وإعراض قومه ، ووضعه في النار وملابسة الشدائد ، والمرور بالنكبات والمصائب .
    وعيسى يذوق طعم الافتراء المر ، والأذى المعتمد ، والفقر المضنى .
    ثم تختم قائمة الأنبياء وصحيفة الرسل بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فتجمع له هذه النكايات جميعا ليكون أعلى الكل كعبا ، وأثبتهم قدما ، وأسعدهم حظا ، فيموت أبوه وهو حمل ، ثم يتبعه جده وهو طفل ، ثم يلحقه عمه في زمن الضعف ، ثم تتلوه خديجة زمن النصر ، ثم يطرد من مكة طردا ، ويشرد تشريدا مع الضرب بالحجارة ، ووضع السلى على الرأس ، مع قاموس من الشتائم بوصفه بالجنون وقتل الأصحاب ، وموت الأبناء ، وقذف الزوجة ، ومصاولة اليهود ، وتكذيب النصارى ، ومحاربة المشركين ، وتربص المنافقين ، وصلف الأعراب ، وتيه الملوك ، وبطر الأغنياء ، مع مراراة الفقر ، وجدب المعيشة ، وعوز الحاجة ، وحرارة الجوع ، ومعاناة قلة ذات اليد ، فالمرض عليه يضاعف ، فهو يوعك كما يوعك رجلان منا ، شج وجهه وكسرت ثنيته وجرح في جسمه ، ثم كان الله معه في كل ذلك ففاز بالزلفى ونال حسنى العقبى ، بل وصل أشرف المقامات وأجل الرتب .
    ويوسف هنا تبدأ معاناته من هذه الرؤيا ، ويستقبل رحلة طويلة ، وشفرا قاصدا بهذه الرؤيا ، لتتحول الأحلام إلى حقائق في حياته ، وتصبح الرؤيا قضايا مصيرية في مستقبله .
    ونواصل مع يوسف سجل حياته ، ودفتر عمره وذكرياته ؛ لنرى ماذا سوف يقع ، وما هي النهاية .


    (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)


    هذا عقد بين المسلم وربه ، وميثاق بين العبد ومولاه ، أن يصرف العبد كل عبادته الله ـ عز وجل ـ ولا يشرك معه غيره ، وأن لا يستعين إلا بربه جل في علاه ، فمن العبادة والمسألة والطلب ، ومن الله العون والتأييد ، وهذه الآية ما سأل )) وهي ملخص دعوة الأنبياء وموجز رسالة الرسل عليهم السلام .
    ومعاني القرآن مجموعة في هذه الآية ، فالله أوجب على الخلق ، وهو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وأوجب على نفسه لهم حقا إذا فعلوا ذلك وهو لا يعذبهم .
    والعبادة التي يريدها الله من الخلق هي : فعل كل ما أوجب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال الظاهرة والخفية ، واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم من ذلك ، والاستعانة طلب العون من الله في كل أمر لا يستطيع عليه المخلوق ولا يقدر عليه إلا الخالق ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لابن عباس : (( إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله )) .
    (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وثيقة مقدسة يعلنها المسلم في كل ركعة من صلاته فريضة كانت أو نافلة ليذكر نفسه دائما بهذا العهد العظيم ، الذي من أجله خلق الإنسان ، ومن أجله أرسلت الرسل ونزلت الكتب ، وقام سوق الجنة وسوق النار ، ومد الصراط ، ونصب الميزان ، وبعث الخلق من قبورهم ، وحصل ما في صدورهم ، وعرضت عليهم صحفهم ، وأقيم عليهم شاهد من أنفسهم .
    (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) هي قضية الخلاف بين المسلمين والمشركين ، وهي معاني لا إله إلا الله ، ومن أجلها وقع القتال بين أولياء الله واعدائه ، وحصلت الحروب بين ح-الشيطان ، فما بعث الرسل عليهم السلام إلا من أجل أن يعبد الله وحده لا شريك له ، وما سألت دماء الشهداء إلا ليوحد الله ويفرد بالعبادة ويختص بالتوجيه دونما سواه جل في علاه .
    (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) سعادة أبدية ونجاة سرمدية بها يتم الصلاح وينال الفلاح وتسهل الأمور وتدفع الشرور ،ولا ينال رضي الله ورحمته وعفوه ومغفرته وعونه وهدايته وتسديده إلا بإياك نعبد وإياك نستعين . ولا تحصل النعم ولا تدفع النقم ولا يحصن من المتالف ويسلم من الصوارف ويحفظ من الكوارث والفتن والمحن إلا بإياك نعبد وإياك نستعين، وهي عاصمة لمن قام بحقوقها من الزلل والتخبط العقدي والهوج الفكري والضلال العلمي والسفه الأخلاقي والانحطاط السلوكي والشطط العلمي؛ لأن في إياك نعبد وإياك نستعين عناية ربانية ورعاية إلهية، وولاية إيمانية، وبركة القرآن.
    وهي أعظم فتح يفتح به علي الإنسان، فيكرم ويجتبي من عالم الطين، ويصطفي من دنيا الانحلال والتمزق والاضطراب والضياع والانحراف والذل والخنوع والخيبة ، فيرتقي هذا الإنسان بإياك نعبد وإياك نستعين مكرماً في معرج القبول عند ربه. وفي سلم الوصول إلي مولاه ، وفي درجات الفوز إلي خالقه ، وهذا أعظم مجد وأجل رفعة وأحسن منزلة وأشرف رتبة، ويهون معها المجد الدنيوي الموقت المنقطع الزائل الفاني من منصب أو جاه أو مال أو ولد أو شهرة، فيصبح المسلم بهذه الكلمة عزيز الجانب، قوي الركن، عامر القلب، مطمئن النفس، منشرح الصدر،منبلج الخاطر نير البصيرة، لأنه اتصل بالله، ودخل في نسب العبودية، ولبس تاج الخدمة للأحد الصمد، وحمل راية الولاية، وتشرف بالانضواء تحت علم )إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)
    (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) صلة بين الأرض والسماء، وبين الضعف والقوة، والفقر والغني، والبقاء والفناء، وصلة بين العبد الضعيف الفاني وبين الله القوي الغني الحي القيوم، فيها يحرر الإنسان من الرق للطاغوت، والعبودية للوثن والاستسلام للشهوات، والوقوع في براثن الغواية، والسقوط في مهالك الردى، وبها يغسل الإنسان من رجس الشرك ونجاسة الجاهلية، وخبث الكفر وأدران الفسق، وأوساخ المعصية ، وبها يطهر ضمير العبد من الخواء ، وقلبه من النفاق، وعمله من الرياء، ولسانه من الكذب ، وعينه من الخيانة، ونفسه من الظلم، فيصبح بإياك نعبد وإياك نستعين عبداً لله مخلصاً مبراً من الشرك نقياً من الوثنية ، معصوماً من نزغات الشيطان محفوظاً من فتنة الشهوات والشبهات.


    (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)

    إن العبد أحوج ما يكون لطلب الهداية من ربه؛ لأن العبد وحده لا يستطيع أن يهتدي ولا يملك مفتاح الهداية ولا يعرف طريقها ولا يجيد هذا ولا يميز بين الحق والباطل والرشد والغي ما لم يهده ربه سواء السبيل فالذي يملك الهداية هو الله وحده لا هادي لمن اضل ولا مضل لمن هدى. وهو يهدي من يشاء رحمة وكرماً . ويضل من يشاء قضاء مبرماً سبق علمه أنه لا يهتدي. فوجب علي العبد أن يهلج بهذا الدعاء في كل ركعة من صلاته لتصبح المسألة حية في ضميره، سارية في دمه ، ماثلة نصب عينه، ليتذكر دائماً نعمة الهداية إلي صراط الله المستقيم، وهي أجل نعمة تسدى للعبد ، وأعظم مكرمة تمنح لهذا المخلوق، والهداية معرفة الحق الذي بعث به محمد صلي الله عليه وسلم. والعمل به والموت عليه والبذل لأجله والتضحية في سبيله والجهاد لدوام هذا الحق وخلوده وانتصاره وعلوه وعزته.
    والصراط المستقيم هو طريق الله الواضح المبين الموصل إلي رضوانه وطاعته ومغفرته وجنته، وهو طريق بينه الله ودل عليه الرسل، وشهدت باستقامة الكتب، ووافقت علي السير فيه الفطرة، ومضي عليه موكب الأولياء، وضوعت به دماء الشهداء، وهو طريق واحد لا ثاني له. فريد لا مثيل له متميز لا شبيه له، وهو مستقيم أقرب موصل إلي الفوز والفلاح والنجاة، واسهل معبر إلي الأمن والسكينة والاطمئنان ، وايسر جسر إلي الرضوان والتوفيق، كل المسالك سواه مضطربة، كل الطرق ما عداه معوجة ، كل السبل غيره متلوية، وهذا الصراط المستقيم لا يهدي إليه إلا ولا يدل عليه إلا الرسل وأتباعهم ، ولا يسلكه إلا من سبقت له الحسنى، ولا يحيد عنه إلا من حقت عليه الغواية ، وكتبت عليه اللعنة ، وحاقت به الخطيئة ، وأوبقة شيطانه ونفسه وهواه.
    وهذا الصراط المستقيم مجمل وتفصيل ، اما مجمله فهداية عامة لكل من سار علي هذا الصراط ومضي في هذا الطريق يريد النجاة من غضب الله ولفوز برضوانه، ومفصل هذا الصراط استقامة لا التفات فيها، وقيام تفاصيل الدين وشعائر الملة، وبذل النفس والنفيس لإعلاء كلمة الله وصرف العمر كله في العبودية، وإنفاق ساعات الزمن وأنفاس الوقت في مراسيم الطاعة صلاة وصياماً وزكاة وحجاً وجهاداً وإنابة ومحبة وخشية وتوبة ورهبة ورغبة، مع المحافظة علي سنن المعصوم، والتحلي بأخلاق القدوة الحسنة والتأسي بصفات الإمام الأعظم صلي الله عليه وسلم .
    وهذا الصراط المستقيم محطاته ومعالمه ومنازله موصوفة في كتاب الله العظيم وسنة النبي الكريم. بل إن الرسالة كلها والشريعة أجمعها شرح لهذا الصراط المستقيم، والوحي اوله وآخره توضيح وبسط لهذا الصراط المستقيم، والله جل في علاه علي صراط مستقيم ، والرسول النبي الأمي يهدي إلي صراط مستقيم. والقرآن الكتاب المعجزة يهدي إلي الصراط المستقيم.
    فجملة أهدنا الصراط المستقيم كلية من كليات الشريعة، وقاعدة من قواعد الإيمان، واصل من أصول الدين، ولهذه الآية وإخواتها عظم قدر سورة الفاتحة، فكانت من السبع المثاني، والشافية والكافية وأم القرآن، وافتتح بها المصحف، وفرضت في الصلاة ، وجمعت فيها الملة، وشفت بإذن الله من الأمراض.
    فكم من لديغ للشيطان ذاق ترياقها فتعافي ، وكم من جريح من أسهم الغواية عب من تميزها فتشافي، اللهم أهدنا صراطك المستقيم حتى نعبره إليك لنلقاك وأنت راض عنا، محسن إلينا، لطيف بنا، إنك تهدي من تشاء غلي صراط مستقيم.
     
    جاري تحميل الصفحة...
    :
  2. الغضبان
    Offline

    الغضبان عضو مشارك

    463
    0
    0
    إنضم إلينا في:‏13 ديسمبر 2007
    قوله: (إِنَّ شَانِئَكَ)

    هجوم أدبي كاسح، وتهديه رباني ماحق ساحق، لأعداء محمد صلي الله عليه وسلم وخصومه ومبغضيه، وهذا ذب عن شخصه الكريم ، ودفاع عن مقامه العظيم، فإذا كان المدافع الحامي والناصر هو الله فلتقر عينه صلي الله عليه وسلم بهذا النصر والدفاع والولاية، وشانئه صلي الله عليه وسلم لا يكون إلا كافراً مارداً حقيراً خسيساً؛ لأنه ما أبغضه إلا بعد ما أصابه بخذلان ، وكتب عليه الخسران، وأراد له الهوان،وإلا فإنسان مثل الرسول صلي الله عليه وسلم يوجب النقل والعقل حبه، إذ لو كان الطهر جسداً كان جسده صلي الله عليه وسلم ولو كان النبل والسمو صورة لكان صورته بأبي هو وأمي، فهو منتهي الفضيلة، وغاية الخصال الجميلة، والمستحق للوسيلة ، وصاحب الدرجة العالية الرفيعة الجليلة، فكان الواجب علي من عنده ذرة رأي، وبصيص من نور ، إذا كان يحترم عقله أن يحب الإمام العظيم لما جمع الله فيه من الفضائل ، ولما حازه من مناقب، ولكن واحسرتاه، علي تلك العقول العفنة، والنفوس المتدثرة بجلباب الخزي، القابعة في سراديب البغي، الراتعة في مهاوي الرذيلة ، كيف عادته مع كماله البشري، ومقامه السامي، فكأنه المقصود بقول الشاعر:
    أعادي علي ما يوجب الحب للفتي
    وأهدأ والأفكار في تجول
    وقول الآخر:
    إذا محـــاسني الآتي أدل بها
    كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر


    ( هُوَ الْأَبْتَرُ)


    أي مقطوع البركة والنفع والأثر ، فكل من عاداك لا خير فيه ولا منفعة من وراءه، أما أنت فأنت المبارك أينما كنت، اليمن معك، السعادة موكبك ، الرضا راحلتك، البركة تحفك، السكينة تغشاك، الرحمة تتنزل عليك، الهدي حيثما كنت، النور أينما يممت، وأعداؤه صلي الله عليه وسلم قالوا: إنه أبتر لا نسل له ولا ولد، فجاء الجواب مرغماً لتلك الأنوف ، واضعاً لتلك الرؤوس، محبطاً لتلك النفوس، فكأنه يقول لهم: كيف يكون أبتر وقد أصلح الله علي يديه الأمم، وهدي بنوره الشعوب، وأخرج برسالته الناس من الظلمات إلي النور؟
    كيف يكون أبتر والعالم أشرق علي أنواره، والكون استيقظ علي دعوته، والدنيا استبشرت بقدومه؟
    كيف يكون أبتر والمساجد تردد بالوحي الذي جاء به، والحديث الذي تكلم به، والمآذن تعلن مبادئه، والمنابر تذيع تعاليمه، والجامعات تدرس وثيقته الربانية؟
    كيف يكون ابتر والخلفاء الراشدون نهلوا من علمه، والشهداء اقتبسوا من شجاعته، والعلماء شربوا من معين نبوته، والأولياء استضاؤا بنور ولايته؟
    كيف يكون أبتر وقد طبق ميراثه المعمورة، وهزت دعوته الأرض، ودخلت كلمته كل بيت، فذكره مرفوع، وفضله غير مدفوع، ووزره موضوع.
    كيف يكون أبتر وكلما قرأ قارئ كتاب الله فلمحمد صلي الله عليه وسلم مثل أجره ؛ لأنه هو الذي دل علي علي الخير ن وكلما صليلا مصل فله مثل اجر صلاته؛ لأنه هو الذي علمنا الصلاة؛ (( صلوا كما رأيتموني اصلي)) وكلما حج حاج فله صلي الله عليه وسلم مثل حجه: لأنه عرفنا تلك المناسك: خذو عني مناسككم)).
    بل الأبتر الذي عاداه وحاربه وهجر سنته وأعرض عن هداه.
    فهذا الذي ثقطع الله من الأرض بركته، وعطل نفعه، واطفا نوره وطبع علي قلبه، وشتت شمله، وهتك ستره، فكلامه لغو من القول ، وزور من الحديث وعمله رجس مردود عليه، واثره فاسد، وسعيه في تباب.
    وانظر لكل من ناصب هذا الرسول الأكرم صلي الله عليه وسلم العداء، أو أعرض عن شرعه أو شيء مما بعث به كيف يصيبه من الخذلان والمقت والسخط والهوان بقدر إعراضه ومحاربته وعدائه.
    فالملحد مقلوب الإرادة ، مطموس البصيرة، مخذول تائه منبوذ، والمبتدع زائغ ضال منحرف، والفاسق مظلم القلب في حجب المعصية، وفي أقبية الانحراف.
    ولك أن تري سموه صلي الله عليه وسلم وعلو قدره ومن تبعه يوم تري الناس وحملة حديثه وآثاره وهم في مجد خالد من الآثر الطيب، والذكر الحسن، والثناء العاطر من حسن المصير، وجميل المنقلب، وطيب الإقامة في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
    ثم انظر للفلاسفة المعرضين عن السنة مع ما هم فيه من الشبه والقلق والحيرة والاضطراب والندم والأسف علي تصرم العمر في الضياع وذهاب الزمن في اللغو وشتات القلب في أودية الأوهام.
    فهذا الإمام المعصوم صلي الله عليه وسلم معه النجاة ، وسنته سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها هلكن وهو الذي يدور معه الحق حيثما دار، وكلامه حجة علي كل متكلم من البشر من بعده، وليس لأحد من الناس حجة علي كلامه، وكلنا راد ومردود عليه إلا هو صلي الله عليه وسلم : لأنه لا ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحي. زكي الله سمعه وبصره وقلبه، ونفي عنه الضلال وحصنه من الغي، وسلمه من الهوي، وحماه من الزيغ ، وصانه من الانحراف وعصمة من الفتنة، فكل قلب لم يبصر نوره فهو قلب مغضوب عليه، وكل أرض لم تشرق عليها شمسه فهي أرض مشؤومة، وكل نفس لم ترحب بهداه فهي نفس ملعونة ، فهو المعصوم من الخطأ ، المبرأ من العيب ، السليم من الحيف ، النقي من الدنس ، المنزه عن موارد التهم . على قوله توزن الأقوال ، وعلى فعله تقاس الأفعال ، وعلى حاله تعرض الأحوال .
    وقد قصد الكفار بقولهم : إنه أبتر ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه لا ولد له ، فإذا مات انقطع عقبه ، والأبتر عند العرب هو من لا نسل له ولا عقب ، فرد الله عليهم وأخبر أن من عاداه هو الابتر حقيقة .
    وفي هذه السورة ثلاثة آيات : فالأولى عن الله عز وجل وعطائه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والثانية للرسول صلى الله عليه وسلم ، والواجب عليه في مقابلة هذا العطاء وهي الصلاة والنحر ، والثالثة لأعدائه صلى الله عليه وسلم وهو البتر والقطع من الخير والبركة والنفع .
    فالأولى عطية والثانية واجب عليه ، والثالثة دفاع عنه .
    وفي السورة تكريم الله لرسول صلى الله عليه وسلم ، وإثبات الكوثر له كما صحت به الأحاديث أيضا ، والدفاع عنه وجواز سب الكفار وشتمه وزجره ليرتدع .


    (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ)


    حسبك الله يكفيك من كل ما أهمك فيحفظك في الأزمات ، ويرعاك في الملمات ، ويحميك في المدلهمات ، فلا تخش ولا تخف ولا تحزن ولا تقلق . فمن تخاف ونحن معك ، ومن تخشى ولدينا نصرك ، ومن ترهب وعندنا عزك فيكفيك : أن حسبك الله .
    حسبك الله فهو ناصرك على كل عدو ، ومظهرك على كل خصم ، ومؤيدك في كل أمر ، يعطيك إذا سألت ، ويغفر لك إذا استغفرت ، ويزيدك إذا شكرت ، ويذكرك إذا ذكرت ، وينصرك إذا حاربت ، ويوفقك إذا حكمت .
    حسبك الله فيمنحك العز بلا عشيرة ، والغنى بلا مال ، والحفظ بلا حرس ، فأنت المظفر لأن الله حسبك ، وأنت المنصور لأن الله حسبك ، وأنت الموفق لأن الله حسبك ، فلا تخاف من عين حاسد ولا من كيد كائد ، ولا من مكر ماكر ، ولا من خبث كافر ، ولا من حيلة فاجر ؛ لأن الله حسبك إذا سمعت صولة الباطل ، ودعاية الشر ، وجلبة الخصوم ، ووعيد اليهود ، وتربص المنافقين ، وشماتة الحاسدين ، فاثبت لأن حسبك الله ، إذا ولى الزمان ، وجفا الإخوان وأعرض القريب ، وشمت العدو ، وضعفت النفس ، وأبطأ الفرج ، فاثبت لأن حسبك الله . إذا داهمتك المصائب ، ونازلتك الخطوب ، وحفت بك المكاره ، وأحاطت بك الكوارث فاثبت لأن حسبك الله ، لا تلتفت إلى أحد من الناس ، ولا تدعو أحد من البشر ولا تتجه لكائن من كان غير الله ؛ لأن حسبك الله .
    إذا ألم بك مرض ، وأرهقك دين ، وأحل بك فقر ، أو عرضت لك حاجة فلا تحزن ؛ لأن حسبك الله . إذا أبطأ النصر ، وتأخر الفتح ، واشتد الكرب ، وثقل الحمل ، وادلهم الخطب فلا تحزن ؛ لأن حسبك الله ، أنت محفوظ لأنك بأعيننا ، وأنت عبدنا المجتبى ونبينا المصطفى .
    حسبك الله يا محمد ، فهو الذي شرح لك صدرك ، ووضع عنك وزرك ، ورفع ذكرك ، وأصلح أمرك ، وأعلى قدرك ، أغناك من الفقر ، وهداك من الضلالة ، أمنك من الخوف ، أعزك بعد الذلة ، أيدك بعد الضعف .
    حسبك الله يا محمد ، فهو الذي حفظك في الغار ، ونصرك في بدر ، وثبتك في أحد ، وفتح لك مكة ، وأعزك في كل موطن ، وأعانك في كل موقف .


    ( لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)


    هذه الكلمة الجميلة الشجاعة قالها صلى الله عليه وسلم وهو في الغار مع صاحبه أبي بكر الصديق وقد أحاط بهم الكفار قالها قوية في حزم ، صادقة في عزم ، صارمة في جزم : لا تحزن إن الله معنا ، فما دام الله معنا فلم الحزن ، ولم الخوف ولم القلق ؟ اسكن ، اثبت ، اهدأ ، اطمئن ؛ لأن الله معنا .
    لا نغلب ، لا نهزم ، لا نضل ، لا نضيع ، لا نيأس ، لا نقنط ؛ لأن الله معنا ، النصر حليفنا ، الفرج رفيقنا ، الفتح صاحبنا ، الفوز غايتنا ، الفلاح نهايتنا ؛ لأن الله معنا .
    لو وقفت الدنيا كل الدنيا في وجوهنا ، لو حاربنا البشر كل البشر ، ونازلنا كل من على وجه الأرض فلا تحزن لأن الله معنا .
    من أقوى منا قلبا ، من أهدى منا نهجا ، من أجل منا مبدأ ، من أحسن منا مسيرة ، من أرفع منا قدرا ، لأن الله معنا .
    ما اضعف عدونا ، ما أذل خصمنا ، ما أحقر من حاربنا ، ما أجبن من قاتلنا لأن الله معنا .
    لن نقصد بشرا ، لن نلتجئ إلى عبد ، لن ندعو إنسانا ، لن نخاف مخلوقا لأن الله معنا .
    نحن أقوى عدة ، وأمضى سلاحا ، وأثبت جنابا ، وأقوم نهجا ؛ لأن الله معنا .
    نحن الأكثرون الأكرمون الأعلون الأعزون المنصورون ؛ لأن الله معنا .
    يا أبا بكر اهجر همك ، وأرح غمك ، واطرد حزنك ، وأزل يأسك ؛ لأن الله معنا .
    يا أبا بكر ، ارفع رأسك ، وهدئ من روعك ، وأرح قلبك لأن الله معنا .
    يا أبا بكر ، أبشر بالفوز ، وانتظر النصر وترقب الفتح ؛ لأن الله معنا .
    غدا سوف تعلو رسالتنا ، وتظهر دعوتنا ، وتسمع كلمتنا ؛ لأن الله معنا .
    غدا سوف نسمع أهل الأرض روعة الأذان ، وكلام الرحمن ، ونغمة القرآن ؛ لأن الله معنا .
    غدا سوف نخرج الإنسانية ، ونحرر البشرية من عبودية الوثنية ؛ لأن الله معنا .
    هذه كلمات قالها رسولنا صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق وهما في الغار وقد أحاط بهما الكفار من كل ناحية ، وطوقهم الموت من كل مكان ، وأغلقت الأبواب إلا باب واحد ، وقطعت الحبال إلا حبل واحد ، وعز الصديق والقريب ، وغاب الصاحب والحبيب ، وعجزت الأسرة والقبيلة ، وبقي الواحد الأحد الفرد الصمد ، حينها قالها عليه الصلاة والسلام : ( لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) .
    لا تحزن إن الله معنا ، إذا معنا الركن الذي لا يضام ، والقوة التي لا ترام ، والعزة التي لا تغلب ، وما دام الله معنا فممن نخاف وممن تخشى وممن ترهب ؟ فهو القوي العزيز ، وهم الضعفاء الأذلاء ، ما دام الله معنا فلا تأسف على قلة من عدد ، أو عوز من عتاد ، أو فقر من مال ، أو تخاذل من أنصار ، إن الله معنا وكفى ، معنا بحفظه ورعايته ، بقوته وجبرته ، بكفايته وعنايته ، بدفاعه وبطشه ، فلا تحزن إذا تلاها الخادم يهدد الناس بقوته سيده من ملوك الأرض فيخافون ويذعنون ، فكيف برب الناس ملك الناس إله الناس ، أ\إن أعظم كلمة في الخطب وأشرف جملة في الكرب هي هذه الكلمة الصادقة الساطعة : لا تحزن إن الله معنا .
    وسر هذه الكلمة في مدلولها وعظمتها في معناها يوم تذكر معية ـ الله عز وجل ـ وهو الذي بيده مقاليد الحكم ، ورقاب العباد ، ومقادير الخلق ، وأرزق الكائنات ، وهذه الكلمة في زمانها الذي قيلت فيه وفي جوها المخيف المرعب وفي مكانها المزلزل المذهل لها طعم آخر وقصة أخرى ، لقد جاءت في لحظة طوق فيها على المعصوم وصاحبه في الغار ، وأغلق الباب وأحاط الأعداء بكل جانب ، وسلوا سيوف الموت ، يريدون أشرف مهجة خلقت ، وأزكى نفس وجدت ، وأطهر روح خلقت ، فما الحيلة ؟
    الحيلة رفع ملف القضية وأوراق الفاجعة وسجل الكارثة إلى من على العرش استوى ، ليقضي فيها بما يشاء ، ولكن صاحب الرسالة ذا القلب المشرق الفياض أرسل لصاحبه أبي بكر رسالة رقيقة هادئة باسمه حانيه نصها: لا تحزن إن الله معنا، فصار الحزن سروراً والهم فرجاً، والغم راحة ، والكرب فرجاً، والهزيمة نصراً عزيزاً.
    ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت علي

    خير البرية لم تنسج ولم تحم

    عناية الله أغنت من مضاعفة

    من الدروع وعن عال من الأطم

    وكلمة ( لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)، يحتاجها المسلم كل ىن: فإذا تكاثف همك وكثر غمك وتضاعف حزنك فقل لقبلك: ) لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)وإذا ركبك الدين، واضناك الفقر، وشواك العدم، فقل لقبلك: ) لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)، وإذا هزتك الأزمان، وطوقتك الحوادث، وحلت بك الكربات، فقل لقلبك: إن الله معنا.
     
  3. الغضبان
    Offline

    الغضبان عضو مشارك

    463
    0
    0
    إنضم إلينا في:‏13 ديسمبر 2007
    وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)

    والله إنك لعظيم الأخلاق ، كريم السجايا، مهذب الطبع، نقي الفطرة، طيب الخصال، عظيم الخلال.
    والله إنك جم الحياء، حي العاطفة، جميل السيرة، طاهر السريرة، نقي الضمير، عفيف الجيب، سليم الصدر.
    والله إنك قمة الفضائل، ومنبع الجلود ومطلع الخير وغاية الإحسان، ونهاية ما يصبو إليه الإنسان، وذروة ما تتوق إليه الأنفس وتمح إليه الأرواح.

    (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) يظلمونك ، يؤذونك فتغفر، يشتمومك فتحلم ، يسبونك فتعفو، يجفونك فتصفح، تعطي من منعك، تصل من قطعك، تعفو عمن ظلمك.
    (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) .. يحبك الملك والملوك، والصغير والكبير ، والرجل والمرأة ، والغني والفقير، والقريب والبعيد؛ لأنك ملكت القلوب بعطفك، وأسرت الأرواح بفضلك، وطوقت الأعناق بكرمك، وسبيت الأنفس بجودك، وكسبت الناس بعطفك.
    (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) هذبك الوحي، وعلمك جبريل ، وهداك ربك، وصاحبتك العناية، ورافقتك الرعاية، وحالفك التوفيق.
    (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) البسمة علي محياك، البشر علي طلعتك، النور علي جبينك، الحب في قلبك، الجود في يدك، البركة فيك،والفوز معك.
    من زار بابك لم تبرح جوارحه

    تروي أحاديث ما أوليت من منن

    فالعين عن قرة والكف عن صلة

    والقلب عن جابر والسمع عن حسن

    (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) لا تكذب ولو أن السيف علي راسك، ولا تخون ولو حزنت الدنيا، ولا تغدر ولو أعطيت الملك؛ لأنك نبي معصوم ، وإمام قدوة، وإسوة حسنة.

    (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) صادق ولو قابلتك المنايا ، شجاع ولو قاتلتك الأسود، جواد ولو سئلت كل ما تملك، فأنت المثال الراقي والرمز السامي، وأنت الصفوة المجتبي، والنبي المختار، والرسول المصطفي.

    (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) سبقت العالم ديانة وأمانة وصيانة ورزانة، وتفوقت علي الكل علماً وحلماً وكرماً وشجاعة وتضحية، وعلوت علي الجميع صبراً وثباتاً وعلماً وعملاً وصلاحاً واستقامة.
    (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) الطهر أنت، والصدق ما تقوله، والحق ما تدعو إليه، والعدل ما تحكم به، والهدي ما أنت عليه، لو كان الصلاح رجلاً لكان في ثباتك، ولو كان البر إنساناً لكان في هيكلك، ولو أن الفضيلة بشر لحل فيك.

    (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) آذوك ـ بأبي أنت ـ وشتموك ـ فديتك ـ وأخرجوك وقاتلوك وكذبوك ـ بنفسي أنت ـ ثم ناديت: اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، جرحوك وأدموا عقبيك، وشجوا رأسك، وكسروا ثنيتك، وقتلوا أصحابك، ثم قلت: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

    إن كنت احببيت بعد الله مثلك في

    بدو وحضر ومن عرب ومن عجم

    فلا اشتفي ناظري من منظر حسن

    ولا تفوه بالقول السديد فمي


    (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ)


    لست مجنوناً كما قال أعداؤك ، لكن عندك دواء المجانين، فالمجنون الطائش السفيه التافه من خالفك وعصاك وحاربك وجفاك، والمخذول الأحمق من عصاك ، والتائه المأفون من نادك، والمغبون الخاسر من اختار سبيلاً غير سبيلك.

    (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) وكيف يكون ذلك وأنت أكملهم عقلاً، وأتمهم رشداً ، واسدهم رأياً، وأعظمهم حكمة، ويهدي العقل، وينير الطريق.

    لست مجنوناً لأنك علي هدى من الله، وعلي نور من ربك، وعلي ثقة من منهجك، وعلي بينة من دينك، وعلي رشد من دعوتك، صانك الله من الجنون، بل عندك كل العقل، وأكمل الرشد، وأتم الرأي، وأحسن البصيرة، فأنت الذي يهتدي بك العقلاء، ويستضيء بحكمتك الحكماء، ويقتدي بك الراشدون المهديون.

    إذا نحن أولجنا وأنت إمامنا

    كفى بالمطايا طيب ذكراك هاديا

    كذب وأفتري من وصفك بالجنون وقد ملأت الأرض حكمة، والدنيا رشداً ، والعالم عدلاً، فأين يوجد الرشد إلا عندك، وأين تكون الحكمة إلا لديك، وأين تحل البركة إلا معك.
    أنت أعقل العقلاء ، وأفضل النبلاء، وأجل الحكماء، كيف يكون مجنوناً وقد قدم للبشرية أحسن تراث علي وجه الأرض، وأهدي للعالم أجل تركة عرفها الناس، وأعطي الكون أبرك رسالة عرفها العقلاء.

    أخوك عيسي دعا ميتا فقام له

    وأنت أحييت أجيالاً من الرمم



    ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)


    أنت يا محمد مهنتك الهداية ، ووظيفتك الدلالة، وعملك الإصلاح ، أنت تهدي إلي صراط مستقيم؛ لأنك تزيل الشبهات، وتطرد الغواية، وتذهب الضلالة، وتمحو الباطل، وتشيد الحق، والعدل والخير.

    ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، فمن أراد السعادة فليتعبك، ومن أحب الفلاح فليقتد بك، ومن رغب في النجاة فليهتد بهداك.

    أحسن صلاة صلاتك، وأتم صيام صيامك، وأكمل حج حجتك، وأزكي صدقة صدقتك، وأعظم ذكر ذكرك لربك.

    ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) من ركب سفينة هدايتك نجا، من دخل دار دعوتك أمن، من تمسك بحبل رسالتك سلم، فمن تبعك ما ذل وما ضل وما قل، وكيف يذل والعز معك، وكيف يضل وكل الهداية لديك، وكيف يزيل والرشد كله عندك، وكيف يقل والله مؤيدك وناصرك وحافظك.

    ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) لأنك وافقت الفطرة، وجئت بحنيفية سمحة، وشريعة غراء، وملة كاملة، ودين تام.

    هديت العقل من الزيغ ، وطهرت القلب من الربية، وغسلت الضمير من الخيانة، وأخرجت الأمة من الظلام، وحررت البشر من الطاغوت.

    ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) فكلامك هدى، وحالك وفعلك هدى، ومذهبك هدى، فأنت الهادي إلي الله علي طريق الخير لكل البشر، الداعي إلي الجنة.


    (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك)

    أد الرسالة كاملة كما سمعتها كاملة، بلغها تامة مثلما حملتها تامة، لا تنقص حرفاً ولا تحذف كلمة، ولا تغفل جملة.

    بلغ ما أنزل إليك فهي أمانة في عنقك سوف تسأل عنها، فبلغها بنصها وروحها ومضمونها.

    بلغ ما أنزل إليك من الوحي العظيم، والهدي المستقيم، والشريعة المطهرة، فأنت مبلغ فحسب؛ لا تزد في الرسالة حرفاً، لا تضف من عندك علي المتن، لا تدخل شيئاً في المضمون ، لأنك مرسل فحسب، مبعوث ليس إلا، مكلف ببلاغ، مسؤول من مهمة، مثلما سمعت بلغ، ومثلما حملت فأد.

    بلغ ما أنزل إليك، عرف من عرف وأنكر من أنكر، استجاب من أستجاب وأعرض من أعرض، وأقبل من أقبل.

    بلغ ما أنزل إليك، بلغ الكل، وادع الجميع، وانصح الكبراء والمستضعفين،السادة والعبيد، الإنس والجن، الرجال والنساء، الأغنياء والفقراء، الكبار والصغار.

    بلغ ما أنزل إليك، فلا ترهب الأعداء، ولا تخف الخصوم، ولا تخش الكفار، ولا يهولك سيف مصلت، أو رمح مشرع، أو منية كالحة، أو موت عابس، أو جيش مدجج، أو حركة حامية.

    بلغ ما أنزل إليك فلا يغر بك مال، ولا يعجبك منصب، ولا يزدهيك جاه، ولا تغرك دنيا، ولا يخدعك متاع، ولا يردك تحرج.


    وشب طفل الهدي المحبوب متشحا

    بالخير مترزراً بالنور والنار

    هي كفه شعلة تهدي وفي دمه

    عقيدة تتحدى كل جبار

    وفي ملامحه وعد وفي يده

    عزائم صاغها من قدرة الباري


    ( وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ )


    إذا لم تؤد الرسالة كاملة فكأنك ما فعلت شيئاً، وإن لم توصلها تامة فكأنك ما قمت بها حق القيام، ولو كتمت منها مقالة أو عطلت منها نصاً أو أهمت منها عبارة فما بلغت رسالة الله ما أديت أمانة الله، نريد منك أن تبلغ رسالتنا للناس كما ألقيت عليك، وكما نزل بها جبريل ، وكما وعاها قلبك.


    ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس)

    بلغ الرسالة كاملة ولا تخف أحداً،وكيف تخاف من أحد ونحن معك نحفظك ونمنعك ونحميك ونذب عنك، لن يقتلك أحد لأن الله يعصمك من الناس، ولن يطفئ نورك أحد لأن الله يعصمك من الناس، ولن يعطل مسيرتك بشر لأن الله يعصمك من الناس، وقل كلمتك صريحة شجاعة قوية، لأن الله يعصمك من الناس، اشرح دعوتك، وابسط رسالتك، وأرفع صوتك، وأعلن منهجك، وما عليك؛ لأن الله يعصمك من الناس.

    كل قوة في الأرض لن تستطيع إليك، كل جبروت في الدنيا لا يهزمك، كل طاغية في المعمورة لن يقهرك، لأن الله يعصمك من الناس.
     
  4. الغضبان
    Offline

    الغضبان عضو مشارك

    463
    0
    0
    إنضم إلينا في:‏13 ديسمبر 2007
    سوف اكملها في وقت اخر
     
  5. الغضبان
    Offline

    الغضبان عضو مشارك

    463
    0
    0
    إنضم إلينا في:‏13 ديسمبر 2007
    (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)
    أما شرحنا لك صدرك، فصار وسيعاً فسيحاً لا ضيق فيه ولا حرج ولا هم ولا غم ولا حزن. بل ملأناه لك نوراً وسروراً وحبوراً.

    أما شرحنا لك صدرك ملأناه حكمه ورحمه وإيماناً وبراً وإحساناً.

    شرحنا لك صدرك، فوسعت أخلاق الناس، وعفوت عن تقصيرهم وصفحت عن خطئهم، وسترت عيوبهم، وحملت علي سفيههم، وأعرضت عن جاهلهم، ورحمت ضعيفهم.

    شرحنا لك صدرك فكنت كالغيث جوداً ، وكالبحر كرماً، وكالنسيم لطفاً، تعطي السائل، وتمنح الراغب ، وتكرم القاصد ، وتجود علي المؤمل.

    شرحنا لك صدرك فصار برداً وسلاماً يطفئ الكلمة الجافية ، ويبرد العبارة الجارحة، فإذا ليعفو والحلم والصفح والغفران.
    شرحنا لك صدرك فصبرت على جفاء الأعراب، ونيل السفهاء وعجرفة الجبابرة، وتطاول التافهين، وإعراض المتكبرين، ومقت الحسدة، وسهام الشامتين، وتهجم القرابة.

    شرحنا لك صدرك فكنت بساماً في الأزمات، ضحاكاً في الملمات، مسروراً وأنت في عين العاصفة، مطمئناً وأنت في جفن الردى، تداهمك وأنت ساكن، وتلتفت بك الحوادث وأنت ثابت؛ لأنك مشروح الصدر ، عامر الفؤاد، حتى النفس.

    شرحنا لك صدرك فلم تكن فظاً قاسياً غليظاً جافياً، بل كنت رحمة وسلاماً وبراً وحناناً ولطفاً ، فالحلم يطلب منك، والجود يتعلم من سيرتك، والعفو يؤخذ من ديوانك.

    (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ)

    حططنا عنك خطاياك، وغسلناك من آثار الذنوب.

    فأنت مغفور لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وأنت الآن نقي طاهر من كل مكان وخطيئة، ذنبك مغفور، وسعيك مشكور، وعملك مبرور، وأنت في كل شأن من شؤونك مأجور ن هنيئاً لك هذا الغفران، وكوبي لك هذا الفوز، وقرة عين لك هذا الفلاح.
     
  6. الغضبان
    Offline

    الغضبان عضو مشارك

    463
    0
    0
    إنضم إلينا في:‏13 ديسمبر 2007
    (الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ)
    أثقل هذا الوزر كاهلك، واضني ظهرك حتى كاد ينقضه ويوهنه، فالآن أذهبنا هذا الثقل ن وأزلنا هذه التبعة، وأعفيناك من هذا الخطب، فاسعد بهذه البشرى، وتقبل هذا العطاء، وافرح بهذا التفضيل.

    (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)
    لا اذكر إلا تذكر معي، يقرن بذكري في الأذان والصلاة والخطب والمواعظ ، فهل تريد شرفاً فوق هذا؟

    يذكرك كل مصل، وكل مسبح، وكل حاج ، وكل خطيب، فهل تطلب مجداً أعلي من هذا؟

    أنت مذكور في التوراة والإنجيل، منوه باسمك في الصحف الأولي والدواوين السابقة، اسمك يشاد به في النوادي، ويتلي في الحواضر والبوادي. ويمدح في المحافل، ويكرر في المجامع.

    (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) فصار في الأرض مسير الشمس، وعبر القارات عبور الريح، وسافر في الدنيا سفر الضوء، فكل مدينة تدري بك، وكل بلد يسمع بك، وكل قرية تسأل عنك.

    (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) فصرت حديث الركب، وقصة السمر، وخبر المجالس، وقضية القضايا، والنبأ العظيم في الحياة.

    (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) فما نسي مع الأيام، وما محي مع الأعوام، وما شطب من قائمة الخلود، وما نسخ من ديوان التاريخ، وما أغفل العظماء ذاتك، فمن ارتفع ذكره من العباد عندنا فبسبب اتباعك، ومن حفظ اسمه فبسبب الاقتداء بك.

    ذهبت آثار الدول وبقيت آثارك، ومحيت آثار السلاطين وبقيت مآثرك، وزالت أمجاد الملوك وخلد مجدك، فليس في البشر اشرح منك صدراً، ولا أرفع منك ذكراً، ولا أعظم منك قدراً، ولا أحسن منك آثراً، ولا أجمل منك سيراً.

    إذا تشهد متشهد ذكرك معنا، وإذا تهجد سماك معنا، وإذا خطب خطيب نوه بك معنا، فاحمد ربك لأننا رفعنا لك ذكرك.
     
  7. محمد1968
    Offline

    محمد1968 عضو أمير

    3,262
    3
    0
    إنضم إلينا في:‏31 أغسطس 2007
    يسلمووووو
    :2:
     
  8. الغضبان
    Offline

    الغضبان عضو مشارك

    463
    0
    0
    إنضم إلينا في:‏13 ديسمبر 2007
    شكرا على مرورك
     
  9. الغضبان
    Offline

    الغضبان عضو مشارك

    463
    0
    0
    إنضم إلينا في:‏13 ديسمبر 2007
    (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)
    إذا ضاقت عليك السبل ، وبارت الحيل، وتقطعت الحبال، وضاق الحال فأعلم ان الفرج قريب، وأن اليسر حاصل.

    لا تحزن فإن بعد الفقر غني، وبعد المرض شفاء، وبعد البلوى عافية، وبعد الضيق سعة، وبعد الشدة فرجاً.

    سوف يصلك اليسر أنت وأتباعك فترزقون وتنصرون.

    إنها سنة ثابتة وقاعدة مضطردة ان مع كل عسر يسراًن بعد الليل فجر صادق، وخلف جبل المشقة سهل الراحة، وراء صحراء الضيق روضة خضراء من السعة، إذا اشتدت الحبل انقطع، وإذا اكتمل الخطب ارتفع، سوف يصل الغائب ويشفي المريض، ويعافي المبتلي، ويفك المحبوس، ويغتني الفقير، ويشبع الجائع، ويروى الظمآن، ويسر المهموم ، وسيجعل الله بعد عسر يسراً.

    وهذه السورة نزلت عليه صلي الله عليه وسلم وهو في حال من الضيق وتكالب الأعداء، واجتماع الخصوم، وإعراض الناس، وقلة الناصر وتعاظم المكر، وكثرة الكيد، فكان لابد له من عزاء وسلوة وتطمين وترويح، فنزلت هذه الكلمات المباركات له ولأتباعه إلى يوم القيامة صادقاً ن وبشري طيبة، وجائزة متقلبة:

    اشــــتـــدي أزمــــة تنفـــرجي

    قـــــد آذن ليلك بالبلج
     
  10. الامامي 111
    Offline

    الامامي 111 رحمك الله يا الامامي - "الفاتحة" لروحه الطاهرة

    13,471
    120
    0
    إنضم إلينا في:‏11 أغسطس 2007
    الجنس:
    ذكر
    الوظيفة:
    معلم تربيه اسلاميه
    الإقامة:
    العراق
    السلام عليكم
    الاخ الغضبان
    هذه المواضيع الدروجه اسفل الموضوع السابق لايتمكن اغلب القراء من قرائتها
    وذلك لانهم يقرؤن العنوان الاول ولا يدخلون عليه لانهم قرؤه
    فيا حبذا لو تكتب هذه المواضيع تحت عناوين جديده لنتمكن من قرائتها مثلا موضوع مع العسر يسرا فانه مدروج تحت العنوان الاول ولم يطلع عليه الاعضاء
    ولكم الشكر تقبل مروري
     
جاري تحميل الصفحة...
المواضيع المتشابهه
  1. ابن التفاح
    الردود:
    0
    المشاهدات:
    499
  2. العالم نيو
    الردود:
    0
    المشاهدات:
    8
  3. أمين خوجلي مرسي الصغير
    الردود:
    1
    المشاهدات:
    28
  4. خليج للتدريب
    الردود:
    0
    المشاهدات:
    74
  5. ضيااء
    الردود:
    3
    المشاهدات:
    63

مشاركة هذه الصفحة