1. مرحباً بك عزيزي الزائر في منتديات صقر البحرين
    يشرفنا أن تقوم بالتسجيل معنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى.
    إذا كنت عضواً بالمنتدى فقم بتسجيل دخولك أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.
  1. ضامي دفا
    Offline

    ضامي دفا عضو جديد

    11
    0
    0
    إنضم إلينا في:‏8 يناير 2008
    الوظيفة:
    بحث عن وظيفة
    الإقامة:
    السعودية / جدة

    شعر يقدم عوالم نظيفة وأثيرية

    الموضوع في 'القصص والروايات' بواسطة ضامي دفا, بتاريخ ‏11 يناير 2008.

    يخرج شعر جمانة سلوم حداد عن التراث التقليدي للكتابة النسائية العربية الباحثة عبر الافصاح الجسدي السافر عن وسيلة للتحقق واستعادة التوازن والتنفيس عن الرغبات المقموعة. فهذا الشعر لشدة رهافته واتصاله بالداخل الانساني المشترك بين الاجناس يبدو وكانه كتابة بلا جنس او اصغاء الى المناطق الجوفية التي يتحد فيها الكائن مع نقيضه ويتحولان الى صرخة واحدة في وجه الموت.
    ثمة من النقاد ومتذوقي الادب من لا يرى أي وجه للتشابه بين الانسان وبين عمله الابداعي، او بين الشاعر وشعره في الاطار الاضيق، وثمة من يذهب في المقابل الى كون النص سر صاحبه وتمظهره الاكثر جلاء وصدقية. واذا لم تكن هذه المقالة العجلى معنية بتقديم اجابة شافية عن هذه التباينات فانني استطيع ترجيح وجهة النظر الثانية في ما يتعلّق على الاقل بجمانة حداد. كأن الشعر هنا هو عين صاحبته ومرآتها الأكثر جلاء من حيث الجمع بين الانوثة وامحائها، بين الاستدعاء والتواري وبين الافصاح واالاضمار. لكنه لا يتوخى في كل ما يذهب اليه سوى مطاردة الحقيقة والوقوف على الينابيع.
    تبدو الكتابة في "يدان الى هاوية" لجمانة حدّاد كأنها هي الامتحان الاكثر جدارة لاستحقاق الحياة او للتعبير عنها . لذلك فان ما تخفيه الشاعرة في النص ليس ناجماً عن الرهاب او الخوف الاجتماعي بل عن شعورها الفعلي بان ثمة اسرارا في الحياة يجب ان لا تهتك او يتم تمزيقها وبان الكثير من المكونات والرغبات المشبوبة يمكن تلمّسها بالايمان والقلب المتلفت لا بالبوح المباشر او السفور الفضائحي. لذلك فان انوثة جمانة حداد ليست سوى ملمح جانبي من ملامح كينونتها الانسانية.
    اكثر ما نستشفّه في مناخات جمانة الشعرية ذلك البعد الوجودي في الرؤية الى الحياة والنفس والاشياء. وهو بعد يبدأ من العنوان ذاته ويتغاغل في ثنايا القصائد وتفاصيلها المختلفة. فاليدان يفترض فيهما ان يكونا اداة لتلمس العالم والتلذذ بمباهجه في حين تبدوان في المجموعة اداة للهلاك او وسيلة للاستغاثة شبيهة بما يظهر من صواري السفينة بعد الغرق والمجموعة برمتها تبدأ بسؤال مرير عن الذات الضائعة في التباس المعنى والتباس الهوية. كما لا تكتفي الشاعرة بصرختها المبكرة: من تكونين ايتها الغريبة، بل هي تلح على المعنى ذاته في غير صورة ووجه. وهي لم تولد بعد وتفضل ان تتأخر قليلاً لكي تتخفف من الآخرين وتصير هي نفسها تماماً.
    كما تشيع في المجموعة المفردات الدالة على الغربة واالضجر والوهم والخسارة والوحدة وفوات الاوان. كأن الانسان منذ الخطيئة الاصلية ليس سوى كائن محكوم بالوحشة والفقدان ومراوغة المصير المحتوم عبر الجسد او الشهوة او الكتابة. ثمة لمعان كريستالي في لغة "يدان الى هاوية" ونسيجها التعبيري. لمعان يتولّد لا من قوة المعنى وتماسك بنيته المفتوحة على الحكمة والغواية وكثافة السؤال فحسب، بل من نزوح الكتابة الى قوتها الفطرية المجردة وقدرتها على الجمع بين اللغة المائية المغسولة بالصدق وبين التوشية والاختزال الدال في الوقت ذاته. كأن عالم حداد مزيج مركّب ومتنوّع من العالم الاثيري الطيفي الذي يشيع في اساليب جبران وجورج شحاده وناديا تويني، ومن الاناقة التعبيرية المنظمة لدى امين نخله وسعيد عقل وشعراء المدرسة اللبنانية، ومن القفز المستمر بين الطهرانية والاثم في شعر انسي الحاج. ومع ذلك فإن ما يحمي الشاعرة من الوقوع في فخ الاساليب التي ذكرت هو إصرارها الدؤوب على مقاومة فتنة اللغة واغرائها وايمانها القوي بقدرة الشعر على ان يكون شكلاً من اشكال التطهير والخلاص. في هذا الشعر ليس ثمة من زوائد والهامات وسيلان انشائي، بل كثافة وايحاء وتدرّب على اصابة الهدف. وفي هذا الشعر ليس هناك من ثنائية واضحة بين الشيطان والملاك او بين الطهرانية والاثم. ففي حين تعلن الشاعرة "لم ارتكب ما يكفي من الاخطاء"، تعلن في الوقت ذاته "براءتي فوق الشبهات/ هبني ذنوباً تليق بها" ، وانكم "تجهلون اني لا اريد سوى عصفور" وانها تنام لكي "تظلّ شبيهة بالجنين".
    واذا كانت المجموعة تحفل باشارات كثيرة حول الجسد والشهوة والجنس والعري فإن هذه الاشارات لا تبدو سوى نتوءات صغيرة طافية فوق صفحة الروح. فالعري هنا ليس التجرّد من الثياب ، بل من الجسد نفسه. والشهوة لا تتولّد من الرجس والدنس، بل من اكتشاف الذات لنفسها ومن تفتحها التلقائي الشبيه بتفتّح الورود في الطبيعة: هكذا تعيدنا جمانة حداد الى عوالم نظيفة واثيرية ولصيقة بالفطرة كما لو انها لا تزال هناك في فردوسها الاول، حيث "الوقت لم يصروقتاً والشفاه شفاه بالفطرة / والغيوم لا تتعقب أمطارها"، على حد ما تقول الشاعرة. ومع ذلك فليس هنالك من وجود متحقق للكائنات او للرغبات او المشاعر، والشاعرة نفسها لا تبحث عن الحضور، بل الغياب والمسافة اللذين هما الشرط الرئيسي للشغف. واذا كان قد انهكها البحث عن الشعراء فهي "اكتفت بهم قصائد في ثنايا الكتب"، والذين احبوها "كان يمكن ان تحبهم لو لم يتحققوا".
    القصائد برمتها تميل الى القصر والاختزال. لكنها لا تتكئ على عصب داخلي يوائم بين فقراتها وسطورها القليلة. وهي لا تعود الى ضمير المتكلم وحده بل تتوزّع بين صيغ المتكلّم والمخاطب والغائب تبعاً للأنا المركبة والرجراجة التي يكتنفها القلق وتلفها الغربة والبحث الدؤوب عن هوية نهائية. هنالك قصائد اخرى تجنح الى الإضمار والحذف والقصر الشديد بما يجعلها اقرب الى الحكم او التوقيعات. وعلى رغم غياب الوزن التقليدي عن القصائد الا ان اللغة المحكمة والتناظر والتكرار ورهافة الصياغات تسهم اسهاماً بعيداً في خلق بنية ايقاعية وجمالية شديدة التوتر والجرس والانسياب النغمي.

    Joumana Haddad Official Web Site
     
    جاري تحميل الصفحة...
    :
جاري تحميل الصفحة...

مشاركة هذه الصفحة