1. مرحباً بك عزيزي الزائر في منتديات صقر البحرين
    يشرفنا أن تقوم بالتسجيل معنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى.
    إذا كنت عضواً بالمنتدى فقم بتسجيل دخولك أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.
  1. الغضبان
    Offline

    الغضبان عضو مشارك

    463
    0
    0
    إنضم إلينا في:‏13 ديسمبر 2007

    إمبراطورية الشعراء

    الموضوع في 'المنتدى الإسلامي' بواسطة الغضبان, بتاريخ ‏12 يناير 2008.

    إمبراطورية الشعراء ... للشيخ عائض القرني

    في بلاط الإمبراطور


    الحمد لله حمداً كثيرا طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضي، واصلي وأسلم علي نبينا محمد وعلي آله وصحبه ومن بسنته اهتدي.

    أما بعد :

    فتحية طيبة يا أبا الطيب فقد حسونا كاس سحرك حتى ثملنا بياناً، أما أبياتك فالنجوم ضياء ورفعة، وأما قصائدك فالحدائق بهجة ونضرة .

    من أين جئت يا أستاذ القافية ، وكيف وصلت يا فيلسوف الإبداع.

    لقد عاش قبلك وبعدك آلاف الشعراء الذين ملؤوا الفضاء ضجيجاً، والكون صياحاً، ثم ماتوا وماتت أصواتهم، وبقيت أنت منشداً للدهر عازفاً علي نياط القلوب كما قلت أنت:

    وما الدهر إلا من رواة قصائدي إذا قلت شعراً اصبح الدهر منشدا

    لقد عرفتك من ثلاثين سنة فكنت معي حضراً وسفراً النبي صلي الله عليه وسلم أتمثل أبياتك ، انشد قصائدك ، أحفظ ديوانك، ولكن ذنبك أنك زهدتني في غيرك من الشعراء . وعذرتك أنك سطعت ولمعت وأبدعت.

    يا أبا الطيب، أخذنا من قصائدك ما كان شاهداً ومثلاً وحكمة وعبرة، وتركنا غلوك وهجاءك وصخبك، وعسى الجيل أن يعود للبيان العربي ليفهم كتاب ربه وسنة نبيه صلي الله عليه وسلم حق الفهم، لأن الوحي هو المقصود بالتدبر والتأمل والدراسة: أما ما سواه فوسائل وأدوات فحسب:

    قواصد كافور توارك غيره ومن قصد البحر استقل السواقيا

    د. عائض القرني



    المتنبئ



    عائض القرني


    حسبك الله لم تزل تتحـدا ما رهبت المنون أو هبت جندا
    أنت كالدهر والقوافي ليــال تبتني بالقريض في الناس مجدا
    أرجفوا : مات! قلت لا أموت قالوا: قد مضي، قلت بل زماني تبدا
    نبشوا فيك عبقرياً أديباً حــركـــوا فيك مارداً بل ألدا
    اشعلوا منك في الدياجي نجوما أحرقوا فيك غيظهم فاستبــــدا
    كلهم قاتل وكل الضحايــا أنت يا مالئ الفافي جــــدا
    أنعلوا خيلك الأفاعي فهابت كل أفعى ذاقت من السم وردا
    اصلتوا في عيونك الموت سيفا أغمدوا في حشاك رمحاً معدا
    كيف أفلت والصحاري زؤام والمنايا خرس وقد جئت فردا
    أي ليل ركبت؟ أين الأعادي فتهم يا عظيم معني وبعدا
    أنت في الشام أم وصلت عماناً أم وردت العراق أم زرت نجدا
    عند من أنزلوك عند ابن موسى أم سعيد وابن العميد المفدى؟
    عند كافور اصبح العبد حرا أم علي ذا الحر أصبح عبــدا
    أم تريد الحياة أم أنت صب يعشق الحسن كاتماً ما تبــدى
    هل رأيت القرود حولك أسدا؟ أم تخليت طلعة الليث قردا؟
    وعلي من تلقي القريض شجياً وإلي من تهدي من الشعر وردا؟
    أنت يا ملبس السلاطين عـزا أنت يا كاسي الصعاليك بردا
    أنت يا مشعل الزمان أرحنا قال دعني أذكيه برقا ورعدا!
    عشت بالعز مؤمنا لا يداجي ومن الذل كافــراً مــرتدا!
    بصر العمي اسمع الصم شعرا علم الضاد تركماناً وكردا
    بك ينوي الممات أن يتعشى قال: كلا أنا به أتغدي!
    تلبس الثور مطرفاً وهو اعمي كى تراه اصمى وأطغي وأردا!
    تحرق النذل بالقريض فيبقي خائباً خاسراً حقيراً مـــردا
    لم تبال ركبت أدهم ضاف أو قطعت الصحراء سعيـــاً
    أو لقيت الخطوب في ثوب هول أو حضنت الأيام عزاً وسعدا
    أو ملت القلوب فيك ابتهاجاً أو نقشت الصدور غلاً وحقدا
    اترجي وصال أهيف غر قال: كلا طلقت سلمى ودعدا
    كل شبر مصائب تتلظى كسيوف بواتر بل أحداً
    تطلب الثأر في حنايا عظيم قد اعناقها بجنبية قدا
    أنت يا بن الحسين اكبر لغز في بلاط الملوك تروى وتهدي
    كيف أنهي الخطاب فيك وأجلو عن معانيك؟ قال لي : كيف تبدا؟


    وردة من دم المتنبئ


    للشاعر / عبد الله البردوني

    من تلظي لموعة كاد يعمي كاد من شهرة اسمه لا يسمي
    جاء من نفسه إليها وحيداً رامياً اصله غباراً ورسما
    حاملاً عمره بكفيه رمحاً ناقشاً نهجه علي القلب وشما
    خالعاً ذاته لريح الفيافي ملحقاً بالملوك والدهر وصما
    ***
    ارتضاه أبوه السيف طفلاً أرضعته حقيقة الموت حلما
    بالمنايا أردي المنايا ليحيا وإلي الأعظم احتذي كل عظمي
    ***
    عسكر الجن والنبوءات فيه وإلي سيف( قرمط) كان ينمي
    ***
    البراكين أمة، صار أما للبراكين للإرادات عزماً
    ( كم إلي كم تفني الجيوش افتداء لقرود يفنون لثماً وضما)
    ***
    ما اسم هذا الغلام يا بن معاذ؟ اسمه ( لا) : من أين هذا المسمي؟
    إنه أخطر الصعاليك طراً إنه يعشق الخطورات جما
    ***
    فيه صاحت إدانة العصر: أضحى حكماً فوق حاكميه وخصما
    قيل: أردوه، قيل : مات احتمالاً قيل: همت به المنايا ، وهما
    قيل: كان الردى لديه حصاناً يمتطيه برقاً ، ويبريه سهما
    الغرابات عنه قصت فصولاً كالتي أرخت (جديساً) و( طمسا)
    ***
    أوراق الحبر كالربى في يديه أطلعت كل ربوة منه نجماً
    العناقيد غنت الكاس عنه الندي باسمه إلي الشمس أومى
    ***
    هل سيختار ثروة واتساخاً؟ أم تري يرتضي نقاء وعدما؟
    ليس يدري، للفقر وجه قميء واحتيال الغني من الفقر أقما
    ربما ينتحي ملياً، وحيناً ينحني، كي يصيب كيفاً وكما
    عندما يستحيل كل اختيار سوف تختاره الضرورات رغما
    ليت أن الفتي ـ كما قيل ـ صخر لو بوسعي ما كنت لحماً وعظما
    هل سأعلو فوق الهبات كمياً؟ جبروت الهبات أعلي وأكمي
    ***
    أنعلوا خيلة نضاراً ليفني سيد الفقر تحت أذيال نعمي
    ( غير ذا الموت أبتغي، من يريني سيد الفقر تحت أذيال نعمي
    أعشق الموت ساخناً، يحتسيني فائراً، أحتسبه جمراً وفحما
    أرتعية، أحسه في نيوبي يرتعيني ، أحس نهشاً وقضما
    وجدوا القتل بالدنانير أخفي للنوايا، أمضي من السيف حسما
    ناعم الذبح، لا يعي أي راء أين ادمي، ولا يري اصمي
    يشتري مصرع النفوس الغوالي مثلما يشتريه نبيذاً ولحما
    يدخل المرء من يديه وينفي جسمه من أديمه وهو مغمي
    يبتدى مبغي هنا، ثم يبدو معبداً ها هنا، وبنكين ثما
    يحمل السوق تحت إبطيه، يمشي بايعاً شارياً، نعياً ويتما
    من تداجي يابن الحسين؟ ( أداجي أوجهاً تستحق ركلا ولطما
    كم إلي كم أقول ما لست أعني؟ وإلي كم أبني علي الوهم وهماً؟
    تقتضيني هذي الجذوع اقتلاعاً أقتضيها تلك المقاصير هدما)
    ***
    يبتدي يبتدي، يداني وصولاً ينتهي ينتهي ، ويدنو ولما
    هل يري غير ما تري مقلتاه؟ ( هل يسمي تورم الجوف شحما)؟
    ***
    في يديه لكل سينين جيم وهو ينشق: بين ماذا وعما
    لا يريد الذي يوافيه، يهوى أعنف الاختيار: إما ، وإما
    كل أحبابه سيوف وخيل ووصيفاته : أفاع وحمى
    ( يا ابنة الليل كيف جئت عندي من ضواري الزمان مليون دهما؟
    الليالي ـ كما علمت ـ شكول لم تزدني بها المرارات علما)
    ***
    أه يابن الحسين:ماذا ترجي؟ هل نثير النقود يرتد نظما؟
    بحفيف الموز ترمي سيوفاً عاريات: فهل تحديث ظلما؟
    كيف تدمي ولا تري لنجيع حمرة تنهمي رفيقاً وشماً؟
    كان يهمي النبات والغيث طل فلماذا يجف والغيث أهمي؟
    الأن الخصاة أضحوا ملوكاً زادت الحادثات، وازددن عقما؟
    ***
    ( هل اقول الزمان أضحي نذيلا؟ ربما قلت لي : متي كان شهما؟
    هل اسمي حكم الندامي سقوطاً؟ ربما قلت لي : متي كان فخما؟
    أين ألقي الخطورة البكر وحدي؟ لست أرضي الحوداث الشمط أما
    أبتغي يا سيوف ، أمضي وأهوي اسهماً من سهام ( كافور) أرمي)
    ***
    شاخ في نعله الطريق وتبدو كل شيخوخة، صبي مدلهما
    كلما انهار قاتل ، قام أخزي كان يستحلف الذميم الأذما
    هل طغاة الورى يموتون زعماً ـ يا منايا ـ كما يعيشون زعما؟
    أين حتمية الزمان؟ لماذا لا يري للتحول اليوم حتما؟
    هل يجاري، وفي حناياه نفس أنفت أن تحل طيناً محمي؟
    ( ساءلت كل بلدة: أنت ماذا؟ ما الذي تبتغي؟ أجل واسمى
    غير كفي للكاس، غير فؤادي لعبة في بنان (( لميا)) و ((ألمي))
    ***
    كيف يرجو أكواز بغداد نهر قلبه وحده من البحر أطمي؟
    كان أعلي من ( قاسيون) جبيناً من نخيل العراق أجني وأنمي
    للبراكين كان أماً: أيمسي لركام الرماد خلاً وعما؟
    ***
    ( حلب يا حنين، يا قلب تدعو لا ألبي ، يا موطن القلب مهما..
    اشتهي عالماً سوي ذا، زماناً غير هذا وغير ذا الحكم حكما
    أين أرمي روحي وجسمي، وأبني لي، كما أستطيب روحاً وجسما؟)
    ***
    خفف الصوت للعداء ألف سمع : هل ألاقي فدامة القتل فدما؟
    يا أبا الطيب اتئد: قل لغيري : أتخذ حيطة : علي من ومما؟
    كلهم ( ضبة) فهذا قناع ذاك وجه سمي تواريه حزما
    ( الطريق الذي تخيرت أبدي وجه غتمامه أريد الأتما
    مت غماً: يا درب (( شيراز)) أورق من دمي كي يرف من مات عما
    ***
    أصبحت دون رجله الأرض، أضحي دون إطلاق برقه، كل مرمي
    هل يصافي؟ شتي وجوه التصافي للتعادي وجه وإن كان جهما
    أين لاقي مودة غير أفعي؟ هل تجلى ابتسامة غير شرمي؟
    ***
    أهله كل جذوة كل برق كل قفر في قلبه وجه ((سلمي))
    تنمحي كلها الأقاليم فيه ينمحي حجمه ليزداد حجما
    تحت أضلاعه (( ضفار)) ورضوي وعلي ظهره (( اثينا)) و(( روما))
    يغتلي في قذالة (( الكرخ)) يرنو من تقاطيع وجهه(( باب توما))
    ***
    التعاريف تجتليه وتغضي التناكير عنه ترتد كلمي
    كلهم يأكلونه وهو طاو كلهم يشربونه وهو أظما
    كلهم لا يرونه وهو لفح تحت أجفانهم من الجمر أحمي
    حالو، حصره فأذكوا حصاراً في حناياهمو يدمي ويدمي
    جرب الموت محوة ذات يوم وإلي اليوم يقتل الموت فهما

    قصتي مع البيان

    كنت في الصبا اعجب بالكلمة الجميلة، أنصت لها. أتمتع بحسنها، يشدني جرسها، يخلبني سرها، يدهشني أسرها، اسمع الكلمة البليغة من النثر والشعر فأجد لذة في سماعها ، وتغمرني فرحة في تأمل بيانها، فالبيان سواء كان قرآناً أو حديثاً أو شعراً أو رواية هو منهي الإبداع لدي، وأحياناً أتناول كلمات من القرآن فاٌقرأ ما كتب عنها المفسرون والبلاغيون ثم أعود بنفسي متأملاً متفكراً متدبراً، فأجد لها في أعماقي معاني لا أيستطيع أحياناً أن أعبر عنها بلساني، وكم هي الآيات التي هزت كياني، وحركت أشجاني، وزلزلت أركاني، وقد تكون هذه الآيات وعظاً، أو قصصاً، أو حواراً، أو خطاباً، أو وصفاً، المهم أنني أعيش مواقف من التأثر لروعة البيان وجمال الخطاب.
     
    جاري تحميل الصفحة...
    :
    آخر تعديل: ‏12 يناير 2008
  2. الغضبان
    Offline

    الغضبان عضو مشارك

    463
    0
    0
    إنضم إلينا في:‏13 ديسمبر 2007
    وفي عام 1400هـ كنت مع سماحة الشيخ الإمام العلامة / عبد العزيز بن باز في جازان لافتتاح مخيم دعوى هناك، وبدأ الحفل بآيات من أول سورة فصلت، قارئها طالب جميل الصوت، حسن الأداء،رخيم النغمة، وكنت قريب عهد بقراءة السيرة، وقصة السورة؛ فتأثرت وأنا جالس بين الناس وأصابني اندهاش ، ودعيت بعدها بفقرتين لإلقاء قصيدة؛ فلما ألقيت ما يقارب عشرة أبيات وكانت أربعين بيتاً لم أستطيع المواصلة، وشعرت بتعب وإعياء، فقطعت الإلقاء فجأة وجلست، وكان الموقف لافتاً للنظر، وما ذاك إلا لما بقي في نفسي من تأثر بالغ أثر علي مشاعري وعواطفي.

    وصلينا في الحرم المكي صلاة التراويح فرفع الإمام صوته بقوله تعالي: )فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك)(محمد: الآية19) ، وارتج الحرم بالصوت، ولكنه بلغ الأعماق فلا أدري هل أعجب من هذا البيان الآسر، أم من هذه الفخامة والإشراق والإعجاز، أم من هذا الصدق واليقين والعدل؟!

    كنت اقف علي بعض الجمل من القرآن فأفصلها كلمة كلمة كما يفصل الدر من عقده، والجوهر من خيطه، وقفت مرة عند قوله تعالي: )وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ) (قّ:10) فتأملت كلمة( باسقات) وجمالها، فإذا لها مدلول غير مدلول طويلات؛ لأن الباسق الطويل في حسن ورواء، وكذلك كلمة : (طلع) كيف اختارها من بين كلمة ثمر وحب ورطب وبسر ونحوها وكلمة: ( نضيد) وما فيها من جمال ودلالة وإشراق يذكرك بالعقد الزاهي من الجوهر.

    وقرأت قوله تعالي عن كتابه: (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت:42) فهزني هذا الكلام الجليل، ثم عدت إلي مصطفي صادق الرافعي، فإذا هو مندهش لهذه الآية ، مأسور لجزالتها وفصاحتها . ومرت به آية: ) فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ )(سـبأ: الآية19) فوقف متأملاً صامتاً منبهراً من هذه الإجادة والإيجاز والإعجاز، ثم طالعت مذكرات الإبراهيمي الجزائري فإذا هو يدبج أروع الكلام عن هذه الآية، ويعلن اندهاشه من هذا الكلام المشرق السامي الراقي.

    وعشت مع سورة الجن، فكأني في عالم الجن والأنين، يبهرني اللفظ وياسرني المعني، وتذهلني الفصاحة، ويهزني الإعجاز ، ثم أعذر الجن وهم يقولون : (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً)(الجـن: الآية1)، وأقرأ كلام سيد قطب فإذا هو يعيش تلك اللحظات من الانبهار والاندهاش لهذا الكلام وكم هي الآيات التي أوقفتني وسلبت لبي، وذهب بي الإعجاب بها كل مذهب، وتمنيت أن عندي من البيان ما يعبر عما يدور بخلدي من معان كامنة مستورة في الحشا، وكنت أردد آية: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (هود:44) ، فأعيد النظر فيها وأعرضها علي بعض الأصدقاء ليشاركني هذه المتعة ، ثم أجد عبد القاهر الجرجاني يبسط الكلام عن إعجاز هذه الآية ووجه البيان والبديع فيها .

    ووقفت عند آية : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء)(المائدة: الآية64) ، فعجبت لقوة هذا الحديث الذي ينسق قلاع الباطل، ويحطم أسوار الزور، ويجتث شجرة العناد والتمرد.

    وطالعت عالم البيان في حديثه صلي الله عليه وسلم وتأملت أحاديثه العذاب الرطاب، وكلامه الجزل الفخم وذهبت مع الشعر فحفظت منه الكثير ورويت الكثير، ولكن الذي أحفظه هو الذي يعجبني ويطربني.

    وسافرت مع المحدثين، والنفلة والمؤرخين، والمفسرين، وأهل اللغة والأدباء، أقف مع الرائع الجميل من كلامهم وأعيد القطعة الماتعة من كلام الذهبي، والوقفة الصادقة لابن تيمية والمقولة المؤثرة لابن القيم، والمداخلة الخلابة للجاحظ، والعرض الشائق لابن خلدون ونحوهم، وأكثر ما يشدني في ذلك البيان وحسن السبك، وجمال اللفظ ، وقوة المعني وسطوع البرهان.

    جلست مع صديق لي فقرأت عليه هذه القطعة للجاحظ إذ يقول : جعلا فداك، وإنما أخرجك من شيء إلي شيء وأورد عليك الباب بعد الباب، لأن من شأن الناس ملالة الكثير واستثقال الطويل؛ وإن كثرت محاسنه، وجمت فوائده، وإنما أردت أن يكون استطرافك للآتي قبل أن ينقضي استطرافك للماضي، ولأنك متي كنت للشيء متوقعاً، وله منتظراً، كأن أحظى لما يرد عليك، وأشهى لما يهدي إليك وكل منتظر معظم ، وكل مأموم مكرم، كل ذلك رغبة في الفائدة، وصبابة بالعلم، وكلفا ًبالاقتباس، وشجاً علي نصيبي منك، وضنناً بما أؤمله عندك ومدارة لطباعك واستزاده من نشاطك، ولأنك علي كل حال بشر، ولأنك متتاهي القوة مدبر.

    كررت هذه القطعة الفائقة ،فكأنني أجد طعمها في فمي قطعة من الشهد ، وزلالاً بارداً من معين صاف، وبقيت أقلبها في عيني تقليب الدرة في اليد، والفكرة في القلب، والخاطر في الضمير، وأنت لو تأملت هذه القطعة النثرية الفائقة للجاحظ لوجدتها في أوج البيان، وقمة الفصاحة بعيدة عن التزويق والتكلف ، سليمة من التبذل والرعونة، ساحرة فاتنة.

    وإنما ذكرت هذا مثلاً ، وإلا فكم من مقالة وقطعة وقصيدة توقف اللبيب وتدهش الفطن من حسنها وروعتها.

    أسمع الخطيب والواعظ والمعلم والمفتي والشاعر والمحاضر فلا يملك إعجابي إلا المتفرد في بيانه ، المتوحد في اختيار مفرداته ، واصطفاء كلماته، وانتقاء جملة، أما الهذر والحشو والإكثار النبي صلي الله عليه وسلم فكل يستطيعه وهو المبذول المملول المرذول المدخول!.

    حدثني أحد الأدباء : أن ( هتلر) أراد أن يلقي خطاباً للعالم يوم زحفت جيوشه غلي موسكو، يملأ به المكان والزمان ،فامر مستشاريه باختيار أقوس وأجمل وأفخم عبارة يبدأ بها خطابه الهائل للعالم، سواء كانت من الكتب السماوية، أو من كلام الفلاسفة ، أو من قصيد الشعراء، فدلهم أديب عراقي مقيم في ألمانيا علي قوله تعالي: )اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (القمر:1) فاعجب ( هتلر) بهذه الآية وبدأ بها كلمته وتوج بها خطابه.
    قف مع هذه الآية ورتلها وتأملها لتجد فخامة في إشراق، وقوة في إقناع، وأصالة في وضوح.

    وقرأت مقالة لأديب يهاجم أديباً آخر سرق له مقالات ونسبها إليه، فجعل عنوان هذه المقالة قوله تعالي : ( أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ)(يوسف: الآية70) فبقيت مع العنوان متأملاً مكرراً معجباً ، وأهملت المقالة!؛ ولهذا فإنك تعذر كل من أسره القرآن واستمال قلبه وسيطر علي روحه، حتى إن أحد العرب صلي خلف الرسول صلي الله عليه وسلم فسمعه يقرأ: )يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً) (الطور:13) فكاد قلبه أن يطير ، وسمع آخر قوله تعالي: )أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور:35)فذهل وتحير من بلاغتها وجمالها، وهذا الذي حمل الوليد بن المغيرة ليصبح صيحة المعترف ويقول: (( إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلي عليه).

    إن صرعي الشبهات لا يعجبهم القرآن، وإن عبيد الشهوات لا يهزهم هذا الكتاب العظيم؛ إن القرآن يعجب سليم الفطرة، بريء الضمير، حي القلب، مشبوب العاطفة، متوقد الذهن، صافي القريحة، فهذا أرض طيبة خصبة لغيث البيان ومطر الفصاحة العذب.

    مرت بي مئات المقالات والقصائد؛ فوجدتها ثقيلة وبيلة لا تستحق الاهتمام والمطالعة، مهلهلة السبك ضعيفة البناء، ركيكة اللفظ ، ماتت قبل أن تولد، ودفنت قبل أن تحيا جزاء وفاقاً، وبقيت الكلمات الآسرة الساحرة الساطعة خالدة خلود الحق، لامعة لموع الفجر، جميلة جمال الإبداع.

    طالع كتاب( صيد الخاطر) لابن الجوزي، وكرر كلماته، وأعد جملة لتدرك سر شيوع هذا الكتاب وذيوعه وخلوده؛ إنها الفكرة الرائدة في ثوب جميل، والتوجيه الصادق في قالب بديع، والمعني العميق في لفظ بهيج مشرق، يقول ابن الجوزي في كتاب طيب الذكر(( إلا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات يحفظ الله بهم الأرض ، بواطنهم كظواهرهم بل أجلي، وسرائرهم كعلانيتهم بل أحلي ، وهممهم عند الثريا بل أعلي ، إن عرفوا تنكروا ، وإن رئيت لهم كرامة أنكروا فالناس في غفلاتهم، وهم في قطع فلاتهم، تحبهم بقاع الأرض ، وتفرح بهم أفلاك السماء، نسأل الله عز وجل التوفيق لاتباعهم، وان يجعلنا من أتباعهم)).. انتهي كلامه ولكن لم ينته أثره ولا نوره ولا أسره ولا جماله، إن البحث عن البيان في الكلام متعة؛ لا يعادلها متعة ارتياد الروض الأخضر، والخميلة المائسة ولا يعادلها مجلس أنس، أو رحلة سياحة ، وقد وصف أحد البلغاء كلام أحد الأدباء فقال: إذا تحدث فكأن السحر دب في جسمك، وهذا معني قوله صلي الله عليه وسلم : (( إن من البيان لسحراً))، فهو يفعل السحر في خلبه للب السامع ، يقول ابن الرومي:

    وكلامها السحر الحـلال لوانه لم يجن قتل المسلم المتحرز
    إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ود المحدث أنها لم توجـز

    والكلمات الجميلة هي التي نقشت في أذهاننا وكتبت في قلوبنا، فبقيت وعاشت : أقرا كلام علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ فأكرره كأنني اشرب زلالاً بارداً حلواً علي ظمأ في قيظ، حتى عقد له ابن كثير في تاريخه فصلاً عنوانه: باب في كلماته الحاصلة التي هي إلي القلوب واصلة، ولما افتتح البخاري كتاب الرقاق من صحيحه ذكر قول علي: (( إن الدنيا ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة ارتحلت مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب بلا عمل)) فأنظر إلي هذا الإيجاز مع قوة المعني وحسن الفواصل ، وبراعة الإيراد، وجمال العرض.
     
  3. الغضبان
    Offline

    الغضبان عضو مشارك

    463
    0
    0
    إنضم إلينا في:‏13 ديسمبر 2007
    سوف اكمله في وقت اخر
     
  4. الغضبان
    Offline

    الغضبان عضو مشارك

    463
    0
    0
    إنضم إلينا في:‏13 ديسمبر 2007
    ولما بدأت في مطالعة ( الكشاف) للزمخشري بدأ ليصلي علي النبي صلي الله عليه وسلم فقال: والصلاة والسلام علي حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل...إلي آخر الكلام الجزل الفخم ، ولحسنه حفظته.

    عن أول طبعة لمصنف ابن أبي شيبة طبعت في الهند، قدم لها أحد علماء الهند مقدمة باردة سامجة متفككة متهالكة، حتى صارت مصدر نادرة في المزاح، وما هذا إلا لأن الرجل يكتب بغير لسانه، وما غاص في مفردات اللغة العربية، وما تمتع بجمالها فهو غريب، وإنك لتسمع العالم يفتي، والمعلم يدرس، والخطيب يتحدث، والشاعر يلقي، فتعرف قوة هؤلاء من ضعفهم وبيانهم من عيهم من أول وهلة؛ لأن الكلام الباهر الجميل الساطع لا يخفي حسنه، ولا يجهل قدره.

    إن أساطين البيان حفروا كلماتهم في ديوان التأريخ، وذاكرة الأجيال لأن الإبداع له خلود، والتفوق له ذيوع، والتفرد له امتياز.

    قال أحد الخلفاء لبليغ: ما البلاغة؟ قال هي: أن لا تبطئ ولا تخطئ. قال مثل هذا؟ قال مثل هذا؛، وانظر كيف أوجز وأعجز . فما أسرع جوابه وأحسن صوابه.

    ومدح رجل علياً ـ رضي الله عنه ـ وكان يبغض علياً ـ فقال له علي: أنا فوق ما في نفسك ودون ما تقول، وقال له رجل : لماذا اتفقت الأمة علي الشيخين، واختلف عليك، قال لن رعيتهم أنا وأمثالي ، ورعيتي أنت وأمثالك ! فقل لي بربك أي جواب هذا الذي كأنه أعده من شهر.

    لقد حرمنا متعة البيان بسبب هذا الهذيان، كلام طويل ثقيل وبيل، وتكرار وتبذل، حتى إنك لتسمع الخطيب يتكلم ساعة كاملو ولو جمع ما قال في خمس دقائق لأحسن إلي نفسه وإلي السامعين.

    إن السيلان الخطابي، والثرثرة في الحديث شيء ، والبيان والبلاغة شيء آخر ، إن البيان هو أن تصيب المحز وتشفي النفس وتبلغ حجتك.
    ولولع النفس بالبيان ، وتعلق القلب بالفصاحة؛ سافرت مع أبى الطيب المتنبئ لجمال شعره وروعة بيانه،وجزالة لفظه، وبراعة عرضه، وأما مبادئه ومذهبه في الحياة فلنا معه حديث آخر في هذا الكتاب.

    مملكة البيان (ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ)

    (الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) فصار هذا المخلوق بالمنطق آية باهرة علي عظمة خالقه، وصار بالبيان مخلوقاً كريماً يقول الكلمة فتخلب الألباب، وينطق اللفظة فتدهش العقول، يصوغ من الحروف سحراً، ويجري من الجمل نهراً، يهدي الجموع الثائرة بخطاب، ويحرك القلوب الخامدة بموعظة وإن العبارة البليغة الباهرة لهي أجمل من اللوحة الهائمة في الحسن وإن الجملة الموحية الآسرة الأخاذة لهي أبرع من ريشة الرسام العبقري، وإن أهل العقول الراشدة السوية يجدون في مطالعة البيان من المتعة واللذة ما لا يجدونه في مشاهدة الخمائل المائسة، والجداول الرقراقة.

    واعلم أن قوت القلوب موائد من المعاني الجميلة الخلابة، وإن زاد النفوس لهو مدد من البينات، وإن معين الأفئدة الرقراق لهو عين من الإبداع في القول يشرب بها النبلاء يفجرونها تفجيراً.

    إن من أعظم أوصاف رسالته صلي الله عليه وسلم أنها ذات بيان باهر ، وبلاغة فائقة، وتأثير عجيب، ودونك هذا القرآن الكتاب الخالد، والمعجزة الظاهرة، التي شدهت العقول، وهزت الأنفس، حتى أنصتت لها البصائر بإمعان، وأخبتت لها الأرواح في خشوع، فاهتزت لهذا البيان، وربت بهذه البلاغة ، وأنبتت من كل زوج بهيج من الإيمان والعطاء والتضحية.

    كان رسولنا صلي الله عليه وسلم افصح الناس مل الناس، وأبلغ البشر جميع البشر، فجاء خطابه غيثاً هنيئاً مريئاً، يهجم علي القلوب القاحلة فإذا هي حدائق ذات بهجة ببركة هذا الكلام، فصارت جملة صلي الله عليه وسلم حديث السمار، وزاد الركب، اشهر من الأمثال ، وآنس من العافية، وأجمل من طلعة الفجر الباهية، ولأن المتفوقين من الناس والبارعين من العقلاء يطربون لأسرار إعجاز في البيان، ولطائف الإلهام في القول، ونكات الفصاحة في الحديث، ولقد أمر الله تعالي رسوله صلي الله عليه وسلم أن يهز الأنفس بالقول المؤثر فقال: ( وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً)(النساء: الآية63)فبالقول البليغ تقوم الحجة، وتتضح المحجة، ويقذف بالحق علي الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.

    وقد أحببنا أن نسافر مع الكلمة الشاردة الفريدة، والجملة الناصعة المشرقة والقول الفصيح الجذاب فاخترنا شاعراً لامعاً وأديباً باقعة، وعبقرياً فذاً، تجذرت كلماته في قلوب رواد الإبداع ، وغاصت إشراقاته في نفوس محبيه، هذا من حيث جمال شعره، وروعة قصائده،وسحر بيانه، وأما من حيث مذهبه ومنهاجه في حياته فلنا معه وقفات ومؤاخذات ، لا نظلمه ولا نهضمه، ولا نفرط عليه ولا نطغي، بيننا وبينه ميزان الإنصاف، لا يضيع حبة خردل من الحقيقة، وأمامنا وأمامه كتاب المروءة والعدل، لا يغادر صغيرة من الإبداع ولا كبيرة من جواهر البيان إلا أحصاها.

    فمرحباً بملك الشعراء في مملكة البيان، ونحييه بقوله هو:

    يا فخر فإن الناس فيك ثلاثة مستعظم أو حاسد أو جاهل
    وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل

    وسوف نقرأ المتنبئ قراءة المتلمس للبيان، المشغوف بالحسن، المتلهف علي الإبداع ، وهو الذي يقول لنا:

    لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى يكون حشاك في أحشائه

    وقد أبدع في هذا البيت، وإليك بسطه بالنثر، فهو يقول لك: أرجوك لا تثرب علي المشتاق المحب في تلهفه وتوجعه واحترافه، ولا تلمه علي زفراته والتهاب حشاياه ، واضطراب جوانحه، فإنه معذور بما يحمل من حب، وما يجد من صبابة، فما دام انك لم تذق ما ذاق من اللوعة والأسى، فلماذا ـ رعاك الله ـ تلومه وتؤنبه؛ لأن حالك غير حاله.

    ونحن في قراءة شعر المتنبئ نجد من هذه اللوعة والاشتياق والتأثر ما نرجو معه أن يعذرنا لائمونا، ولا يثرب علينا أحد من الناس هذه النزعة الأدبية، والغرام البياني مع كل لفظ جميل ساحر.

    المتنبئ

    تجاوزنا السيرة الذاتية، وتخطينا التراجم التقليدية، ووصلنا إلي نتاج هذا الشاعر مباشرة؛ فالمتنبئ عندي ملك الشعراء؛ لأن للشعر وزيراً وأميراً وقاضياً وفقهياً ، ولكن مملكة الشعر لملكها احمد بن الحسين المتنبئ لمجموع محاسنه، وكلية إبداعه، وقد يفوقه في قصيدة أو بيت واحد غيره من الشعراء، لكن مجموع شعره لا يفوقه فيه شاعر ولهذا يقول:

    أنا السابق الهادي إلي ما أقوله إذا القول قبل القائلين مقول

    وهذا الشاعر انصهر مع الكلمة، وذاق البيان، وأشرب في قلبه الفصاحة فذابت حشاياه، وغلت مراجل فكره بجواهر من القول فاقت الوصف، والذي يعجبك في المتنبئ هذا الاحتراف والإشراق، فهو محترف بهمومه وهمته وطموحاته، مشرق بعبقرية وإبداعه ونبوغه، وهو كما قال في ممدوحه:

    وإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال

    ولك أن تقف أمام هذا البيت الذي يغنيك عن إسهاب من القول، وحواش من الحديث ، فهو كما يقول لممدوحه: إنك وإن تفوقت علي أقرانك ، وتفردت بصفاتك عن بني جنسك، وتميزت هذا التميز المنقطع النظير ، فلا غرابة في ذلك ، فإن المسك علي ندرته وشرفه وطيب رائحته وارتفاع ثمنه؛ من جنس دم الغزال.
     
  5. محمد1968
    Offline

    محمد1968 عضو أمير

    3,262
    3
    0
    إنضم إلينا في:‏31 أغسطس 2007
    يسلمووووو :2:
     
  6. الغضبان
    Offline

    الغضبان عضو مشارك

    463
    0
    0
    إنضم إلينا في:‏13 ديسمبر 2007
    شكرا على مرورك
     
  7. الغضبان
    Offline

    الغضبان عضو مشارك

    463
    0
    0
    إنضم إلينا في:‏13 ديسمبر 2007
    البطاقة الشخصية:

    أنا الذي نظر الأعمى إلي أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم

    هذه ترجمة موجزة للمتنبئ ، فليس يهمنا معرفة اصله وفصله ونسبه وحسبه، بل نريد إبداعه ولموعه كما قال الشاعر:

    أنا لست مهتماً بأصل قبيلتي ورائي قريش أم ورائي تغلب
    فليست بلادي ببرقاً أو خريطة ولكن بلادي حيث اسطيع أكتب

    فهو يقدم لنا نفسه بهذا البيت علي أنه موهوب ، فرض نفسه علي الناس بشعره وأدبه حتى إن الأعمى الذي لا يبصر شيئاً نظر إلي أدبه، لقوة تأثيره، وسطوع تعبيره، وبلاغة تصويره، والأصم الذي لا يسمع شيئاً أنصت لكلماته النافذة الأسرة الباهرة.
    أما شعره ، فيكفيه أن الدهر أحد رواة شعره، والأيام والليالي أصبحت تردد هذا الإبداع وتغني هذا السحر الحلال:

    وما الدهر إلا من رواة قصائدي إذا قلت شعراً اصبح الدهر منشداً
    فسار به من لا يسير مشمــراً وغني به من لا يغني مفـــرداً

    مطالع قصائده

    المتنبئ يخطف الأضواء ببريق مطالعة القوية النافذة، ومطلع القصيدة كالوجه من الجسم ، والعنوان من الكتاب؛ لأنها اول ما يطرق السمع، ويصل إلي القلب، فهو يختار المطاع بعناية، ويجود أول القصيدة، حتى صارت مطالعة كالأمثال إشراقاً ، واسمع بعض أجزاء لهذه المطالع، ثم بسط القول في ذلك؛ يقولك (( وأحر قلباه ممن قلبه شبم)) ويقول : (0 لكل امرئ من دهره ما تعودا)) ويقول : (( حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا)) ويقول: (( باد هواك صبرت أم ام تصبرا)) ويقول : (( لا خيل عندك تهديها ولا مال)) ويقول : (( بم التعلل لا أهل ولا وطن)) ويقول : (( نعد المشرفية والعوالي)) ويقول : (( فراق ومن فارقت غير مذمم)) ويقول : ((لا تعذل المشتاق في أشواقه)) ويقول : (( عدوك مذموم بكل لسان)) إلي آخر تلك المطالع التي تفرض حسنها علي بصائر عشاق البيان.
    فهو لا يبدأ في قصيدته ضعيفاً، ولا متخاذلاً، بل يحتفل بأول كلمة يقولها في قصيدته ، ويمنحها من رشاقة عباراته، وحلاوة منطقه، وطلاوة سحره ما يجعل هذا المطلع محفوظاً سائراً شارداً.
    أراد أن يعاتب سيف الدولة، وأن يتوجع أمامه، وأن يتوجع عنده من حساده ، ,ان يشكو إليه من خصومه؛ فماذا عسي أن يبدأ به لهذه القصيدة، هل يبدؤها بحكمة؟ لا، هل يبدؤها بغزل؟ لا ، بل الأحسن أن يقول في أولها: (( واحر قلباه)) هكذا صارخة قوية متمردة، تتقطع معها كبده وأنيناً ، ويتمزق مع آهاتها وزفراتها ما بقي معه من قلب مكلوم، وروح منهكة مضطربة.

    ودخل علي امير ليهنيه ويبارك له، فليس للغزل والغرام هناك مقام، وليس للحكمة مناسبة،وإنما بدأ معتذراً ومتلطفاً ليقول:

    لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم تسعد الحال

    وهو مطلع فائق بكل معاني الكلمة ، آسر بكل مدلول الأسر، غاية في الحسن، وآية في المتعة، حتى صار أنشودة عذبة علي شفاه الرواة، ومثلاً شروداً علي ألسنة الحداة . وكأني به يمد صوته بحرف (( لا)) ثم يرسل البيت ليكون أجمل من الهدية وأثمن من العطية.

    يريد أن يصف همة سيف الدولة، وعلو قدره، وارتفاع درجته بما حققه من نصر، وحازه من مجد فيبدأ بقوله:

    علي قدر أهل العلم تأتي العزائم وتأتى علي قدر الكرم المكارم
    وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم

    وأنت إذا سمعت هذا البيت وقر في خلدك ، واستوي في فؤادك، فسوف تعلم أن الرجل سوف يحلق بإبداعه في عالم الهمة، وسماء التضحية ، ودنيا العظمة، فهو يقدم لك عنوان الكتاب، ومفتاح الباب، ولجام الفرس؛ لتتهيأ لما سوف يبثه من مديح راق ، وثناء عبق وإشادة سامية.
    يريد أن يخبرك بحاله بعد الفراق والبعد ونكسة البال، وضيق الصدر وتكالب الأعداء ، وقلة النصر؛ فيقذف بهذه العبارات أولاً:

    بم التعلل لا أهل ولا وطن ولا نديم ولا خل ولا سكن

    فتفهم أن الرجل محترف بمعاناته ، ملتهب بآلامه، تكاد نياط قلبه أن تتقطع، وتوشك أعصابه أن تتمزق ، فهو يتساءل متعجباً من حاله، لماذا يتعلل ويتصبر وليس عنده أهل يأوي إليهم، فيبثهم وجده، ولهيب صدره، وليس لديه وطن لأنه غريب مرتحل، وليس عنده صديق؛ فقد خانه الكل، وتنكر له الجميع، وما عنده محبوب يبثه نجواه، وينفث فيه شكواه، وأيضاً ليس عنده سكن يضمه ويحتضنه، فهو في حالة أبلغ وصف لها هذا البيت ، وياله من مطلع ذائغ فائق.

    ويذهب طريداً شريداً إلي كافور، وقد تقطعت به الحبال، وضاقت به الآمال، وأظلمت أمامه السبل، فلا يبدأ بالمدح؛ لنه في شغل شاغل عنه، ولا يستفتح بالغزل؛ لأنه يتلظى بالمرارة، ولا يقدم الأمثال؛ لأنه في عالم المعاناة والغربة، وإنما يقذف بهذه الحكمة التي تدل علي ما وراءها من كرب شديد، وحزن بالغ، وبال كسيف أسيف:

    كفي بك داء أن تري الموت شافياً وحسب المنايا أن يكن أمانيا
    تمنيتها لما تمنيت أن تــــري صديقاً فاعيا أو عدواً مداجياً

    يا الله! إلي هذه الدرجة من البلوى يصل هذا العبقري الفذ، إلي درجة يتمني فيها المنايا الحمر الكوالح، ، وإلي حد يري ان دواءه يمكن في الموت، فإذا وصل الحال إلي هذا المستوي ، فحسبك بها بلية كبرى ومصيبة عظمى، حتى إن شاعرنا فقد كل صديق، ولم يجد حتى عدواً مجاملاً ، بل كلهم أصبحوا أعداءه؛ لأنه ناجح فحسب ، وهم كلهم أعداء النجاح.

    أما كافور فيريد مدحه وتبجيله وتفخيم أمره؛ فينفجر بهاذ المطلع الذي كأنه إطلاله بدر من سحب، أو إشراقة نجم من حجب، أو طلعة فجر في الآفاق، يقول:

    عدوك مذموم بكل لسان ولو كان من أعدائك القمران
    ولله سر في علاك وإنما كلام العدى ضرب من الهذيان

    هكذا بدأ قصيدته قوياً لامعاً فياضاً، وانظر إلي قوة الأسر، وبراعة الاستهلال، وإشراق الكلمات، وجزالة الجمل، فكأنه يفصل ثوباً زاهياً علي ممدوحه، أو يضع علي هامته تاجاً مرصعاً ، فهو يحطم شبه أعداء ممدوحه، وينسف أباطليهم، ويدفع اقوالهم بهذا القول البليغ السار، حتى لما سمع أحد العلماء هذا المطلع المرار قال: هذا والله هو الشعر.

    ولكنه يحارب حتى في مصر، وتضيق به الأرض بما رحبت كما وصف حاله:

    غريب من الخلان في كل بلدة إذا عظم المطلوب قل المساعد

    ويصل إليه عيد الفطر وهو في مصر، فلا يفرح بالعيد ولا يبهج به، ولا يحتفي به؛ لأنه غريب شريد طريد مكبوت، بل ينفجر ناقماً غاضباً باسراً عابساً ليقول:

    عيد بأية حال عدت يا عيد بما مضي أم لأمر فيك تجديد
    أما الأحبة فالبيداء دونهم فليت دونك بيد دونها بيـــد

    بهذا المطلع البارع المعبر المصور يبدأ بكاءه، ويستهل عويله، فهو أبداً غاضب كالليث، جاهم كالليل، ثائر كالبركان، عاصف كالريح، يعلن للمشاهدين كل ساعة تمرده وعنفوانه ورفضه ، وهو دائماً معارض، تغلي نفسه بالغصص من زمانه وبني جنسه. إنه عند نفسه مظلوم معتدى عليه مقصود بالإيذاء ، تحبك له المؤامرات، وتنسج له العدوات، وتلفه المصائب من كل جانب، ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت.
    إنها عقوبة من الله لأعدائه كما يقول:

    إني وإن لمت حاسدي فما أنكر أني عقوبة لهـــم

    الشاعر الثائر

    هذا الشاعر محترف متدفق ، له معاناة تمور في صدره ، وعنده صراع داخلي يتفاقم في جوانحه ، فهو كتلة من الغضب علي المخالفين ، وهو شهاب ثاقب علي أعدائه ؛ لأنهم رفضوا الاعتراف به، وصادروا جهوده، وتتكروا ، فهم والزمان والمكان والأصدقاء والسلطان بل الجميع ضده:

    يا من ذكرت علي بعد بمجلسه كل بما زعم الناعون مرتهن
    يا كم قتلت وياكم مت عندكم ثم انتفضت فزال القبر والكفن

    إنه اقوي من أعاصير الخصوم، وأعتي من أراجيف الأعداء، فهم يميتونه وهو لم يمت، ويشيعون نهايته وهو لم ينته، فهو ساكن في ضمائر الجمهور ، خالد في سفر الإبداع، موجود في ديوان العبقرية، إن حساده يريدون شطب اسمه من سجل العظماء ؛ فيغضب ويثور ويحتج ويرفض:

    أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني فلا أعاتبه صفحاً وإهوانا
    وهكذا كنت في أهلي وفي وطني إن النفيس غريب حيثما كان

    حسبك الله من شاعر تتحدي الأزمات ، وتدوس المنايا، وتجتاح معاقل الخصوم، وتواجه الموت الكالح بهمة كالدهر وعزيمة كالفجر.
    والرجل مجروح في الصميم، مكلوم في سويداء القلب من أناس ما قدروه حق قدره، وما احترموا منصبه السامي في الأدب:

    سوى وجع الحساد داو فــإنه إذا خل في قلب فليس يحول
    ولا تطعمن من حاسد في مودة وإن كنت تبديها له وتنيل

    هكذا جرب وذاق وجع الحساد، واكتوى بنارهم، وتلظى برمضائهم. إن المتنبئ شاعر مجدد في عالم الشعر، ليس تقليداً علي مذهب شعراء المناسبات، ورواد مقاهى النفاق السياسي، وضيوف حفلات مراسيم تكريم الوفود، فهو لا ينتظر من الخليفة أن يقول: يا غلام أعطه ألف دينار ، وأركبه بغلاً، واهده جارية؛ كلا، بل هو كما قال عبد الله البردوني:

    من تلظي لموعـه كاد يعمي كاد من شهرة اسمه لا يسمي
    من تداجي يا بن الحسين أداجي اوجهاً تستحق ركلاً ولطمـا
     
جاري تحميل الصفحة...

مشاركة هذه الصفحة